جرائم عبر القرون ج (7)

بواسطة مأوى عبدالعزيز
81 مشاهدات

إغراق حلفا القديمة
إرث حضاري لا يقدر بثمن ظل كائن لآلاف السنين، ولكنه أصبح في خبر كان بموجب بناء السد العالي.. ذلك السد الذي بُنِيَ في جنوب مصر وغمرت بحيرته أهم الأراضي السودانية الواقعة في شمال البلاد، ضحّت الحكومة وقبلت الإغراق، ولكن التاريخ لا يُمحِي ولا يُمحَى.

مدينة حلفا، قبل العام المشؤوم :
قبل الغوص في الحكاية والحديث عن لب الموضوع كان لابد أن نعطي ملمحا عاماً عن مدينة حلفا الجميلة، وعن تاريخها وجغرافيتها، فعلى بعد ٩٠٩ كلم شمال العاصمة الخرطوم يقع وادي حلفا عند أقصى الولاية الشمالية بمعنى أنها مدينة حدودية مع دولة مصر كبوابة السودان  من الناحية الشمالية. ومن ناحية تضاريسية نجد أنه يكثر فيها نبات يعرف باسم (الحلفاء) وهي عشبة تتميز بفوائد عديدة، ولهذا السبب تم اشتقاق الاسم منها وعرفت بحلفا أو وادي حلفا وأصل وادي جاء من الكلمة النوبية (آد) وتعني النهر وفيما بعد تم تحريف الاسم ليصبح وادي حلفا كما دونت بعض الروايات. ومن جانب آخر “التاريخي”  لا يخفى عليك عزيزي القاريء أن وادي حلفا من أقدم الأماكن وأعرقها التي احتضنت حضارات جذورها تمتد لآلاف السنين  ولاسيما الحضارات النوبية – يمكنك الرجوع للجزء الثاني من هذه السلسلة- ومن البديهي أنها كانت تمتلئ وتعج بالآثار النوبية والمسيحية وغيرها، فاجتمعت الأسباب الجغرافية والتاريخية حتى جعلت منها منارة وجوهرة لأقدم الحضارات البشرية على وجه الأرض.
بناء السد العالي وغرق الإرث الغالي :
مروراً بفترة التاريخ القديم والوسيط وما بعده ظلت تلك الآثار موجودة وحاضرة، معنى ذلك أن جميع تلك الآثار كانت محافظة على رونقها وشكلها، حتى نال السودان استقلاله وأصبح دولة مستقلة، ففي منتصف القرن العشرين وبالتحديد في عام ١٩٥٩، أي عند وجود أول حكومة عسكرية في السودان برئاسة الفريق إبراهيم عبود، تم التوقيع على إتفاقية مياه النيل بين حكومتي مصر والسودان في الثامن نوفمبر.

كان الهدف الأساسي من تلك الاتفاقية هو الاستفادة القصوى من مياه النيل إضافة لذلك التحكم والسيطرة على معدل انسياب المياه فكان لكل دولة نصيب وحصة معينة من المياه حيث كان نصيب الأسد لدولة مصر (٥’٥٥) مليار م مكعب والسودان (٥’١٨) مليار م مكعب ونتيجة لتلك الاتفاقية أُتيحت لمصر فرصة بناء السد العالي الذي يعتبر من أعظم المشاريع الهندسية في العالم في ذلك الوقت، ولكن نتج عنه تكون أكبر بحيرة صناعية خلف السد أي الواقعة جنوب مصر وشمال السودان بالتحديد في منطقة حلفا التي أغرقت بالكامل بسبب فيضان البحيرة.

أحيانا قد يكون القبول تضحية أم جريمة!
بصدد تلك الاتفاقية قدمت حكومة عبود تنازلات وتضحيات على إثرها أغرقت مدينة حلفا وتم تهجير أهلها قسراً :

قطعاً، لا توجد جريمة أشنع من نزع الإنسان من جغرافيته، فالتهجير هو وسيلة لفصل التاريخ من الجغرافيا.

وعليه تم تهجير ٢٣٢’٥٣ مواطن إلى أرض البطانة في شرق السودان وقد ترك هذا الحدث أثرا مؤلماً على نفوس النوبيين على جانبي الوادي.

تعويضات ليس لها معنى! :
نسبة للضرر الواقع على أراضي حلفا والذي شمل على غرق الآثار التاريخية والمعابد، وأيضا نسبة لتهجير أهالي المنطقة لمنطقة أخرى كان هنالك بند تعويضي تم التوصل إليه بعد جولات من المفاوضات بين عامي ١٩٥٧ – ١٩٥٨.

فقد طالت مدة المفاوضات نسبة لعدم الاتفاق بين الحكومتين على مبلغ محدد فمن جانب حكومة عبود فقد حدد أن ٣٦ مليون جنيه مصري هي المبلغ المستحق لترحيل وتوطين أهالي حلفا إلى جانب التعويضات الأخرى (بناء خزان خشم القربة، و تعويضات الآثار) لكن هذا المبلغ لم توافق عليه حكومة جمال عبد الناصر – رئيس مصر آنذاك – فعرضت مبلغ ١٠ مليون جنيه مصري.. انته الأمر في النهاية لأن يكون التعويض ١٥ مليون جنيه مصري.

جمال عبد الناصر والرئيس إبراهيم عبود

وهل ينفع ندم عبود بعد فوات الأوان؟ :
تداعيات تلك الاتفاقية وبناء السد العالي والآثار الناتجة عنه، كل ذلك كان له آثارا مريرة على النوبيين الذين تم تهجيرهم، حيث أُلزمت الحكومة السودانية بترحيل أهالي حلفا قبل يوليو ١٩٦٣ أي في غضون ثلاث سنوات. فلك أن تتخيل عزيزي القاريء أن جميع الآثار التاريخية في تلك المنطقة ستندثر إلى الأبد!!

والآلاف من الأهالي الذين تم تهجيرهم قسراً وعشرات من القرى تأثرت بشكل سلبي! علاوة على إغراق ٢٠٠ ألف فدان من الأراضي الزراعية الخصبة وحوالي مليون شجرة نخيل وحوامض، وغرق شلالات كان من الممكن أن تولد كهرباء بمقدار ٧٠٠ ميقاواط. في وقت لاحق ذُكر أن الرئيس عبود قد انتابه الأسى والحسرة عندما رأى بأم عينه عن حجم الأضرار التي خلفها السد وعن قبوله بإغراق وادي حلفا على إثر توقيع اتفاقية مياه النيل، ولكن هل ينفع الندم بعد فوات الأوان؟

بعثات وحملات تنقيب لإنقاذ ما تبقى :
تسابقت العديد من الدول الأوروبية والعالمية وشاركت في حملة “إنقاذ آثار النوبة” تحت إشراف منظمة اليونسكو – ومعظم الآثار التي اُنتشلت من تحت الماء تم نقلها إلى خارج البلاد فما تم نقله من آثارنا يزين متاحف العالم، فيما بعد قد قدّر أن ٧٥ موقعاً أثريا قد أغرق بالكامل وذلك بحسب عمليات التنقيب التي أجريت في السودان في مساحة تقدر ب ٢٠٠ كلم وقد تم نقل بعض المعابد إلى متحف السودان القومي نذكر منها على سبيل المثال معبد بوهين ومعبدي سمنة شرق وغرب وكاتدرائية فرس.

معبد بوهين الذي تم نقله إلى متحف السودان القومي

خلاصة عامة:
إغراق حلفا القديمة يعتبر أعظم جريمة ارتكبت في التاريخ فهو بمثابة طمس الذاكرة التاريخية، و(فط سطور) وقد ذكرنا آنفا أن تلك الفترة من تاريخ السودان القديم والوسيط لم تلقى اهتماما كبيراً من قبل الباحثين والمؤرخين وقد تم إهمالها في المناهج الدراسية، حتى مصادرها لا تتوفر بسهولة وعليه لم يبقى من رائحة تلك الحقب القديمة سوى المعالم الأثرية والمعابد الكنوز التي كان معظمها في وادي حلفا ، وللأسف كما شهدنا وأسردنا بالتفصيل عن كيفية ضياع كل ذلك، وغرقه تحت الماء من أجل بناء السد العالي لصالح مصر.. ولكن التاريخ لا يُمحِي شيئا.

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا