قط يطارد ذيله

بواسطة منال جودة
963 مشاهدات

– فتاح ياعليم رزاق ياكريم
خرجت من فم عم حسن كالقنبلة ما إن إقتربت من كشك الجرائد خاصته رغم أني كنت أرسم علي وجهي إبتسامة عريضة. كالعادة أمسك عم حسن منفضته المصنوعة من شعر ذيل الحصان وبدأ يتظاهر بإزالة الأتربة عن الجرائد، أعلم أنه لا توجد أتربة فهو قد وضعها للتو ولكنه يستعد ليضربني علي يدي ما إن أمدها. هذا المشهد يتكرر كل يوم، أنا فقط آخذ عناوين الوظائف لم أعد أقرأ الجرائد خصوصا بعد أن صار يظهر ضجره من عدم شرائي وتصفحي لكل الجرائد، وجعلني قصة يناقشها مع كل رواد كشكه الصغير في غيابي. كنت أعوض عنه ولكنه ناكر للجميل هذا العجوز الأصلع، كثيرا مايرسل في طلبي من البيت لأجلس في الكشك عندما يكون لديه مشوار وكثيرا جدا أنا من يحمل الجرائد وأقوم برصها وترتيب الكشك بل وأنظفه أيضا.
أخذت أول جريدة أمامي بسرعة قبل أن يلتقط يدي بمنفضته ورفعتها إلي مستوي عيني حتي أداري وجهه عني، اخرجت مفكرتي وبدات في تدوين العناوين. في كل مرة أطبق فيها الجريدة أحس الشرر يتطاير من عينيه فأزداد رفقا في ملامستها واضعها بهدوء وحذر.
هكذا هو صباح كل يوم عندي، ويأتي بعده سلسلة من الاحداث المكررة، فانا لا أركب المواصلات سوي مرتين؛ الأولي هي بعد مغادرتي الكشك لأصل الي وسط البلد، والثانية عند عودتي مساءا، وفي ما بينهما أجوب الشوراع علي قدمي باحثا عن الشركات والمؤسسات. لم أترك مؤسسة إلا وحشرت أوراقي في فمها، ولكن حبال “الواسطة” كانت دائما تعرقلني، فأتشقلب وأعود من حيث اتيت.
إنقضي النهار سريعا بين معاينات وتقديمات ونتائج تقديمات سابقة والمحصلة صفر. الأصفار لا تفارقني ابدا؛ الجيب صفر دوما، الوعود صفر والمعاينات صفر. إنتهي بي المطاف علي شارع النيل كنت انظر إلي الماء وأحسها تناديني، أحتاج أن أنزل إلي هذه المياه لتطفأ نارا بقلبي وأترك لدموعي العنان. ألقيت بالملف الذي يحتوي علي شهاداتي ومفكرتي أرضا وتوجهت إلي النيل بكامل ملابسي فلا نقود اخشي إهتراؤها ولا هاتفا أخشي عطله ساقفز هكذا. إتخذ وجهي وضع البكاء قبل أن أصل الماء و… فجأة أمسكني شي غليظ من وسطي وسقط بي أرضا. وقبل أن أتبين ماحدث تجمهرت أقدام كثيرة حولي كان التراب يتقافز امامها ويملا وجهي وملابسي
-لا حول ولا قوة الا بالله
-مالو دا؟
-مالو
-داير ينتحر
-ياحليلو مالو؟
كثرت الهمهمة والحوقلة حولي وأنا مغمض العينين من كثرة الأتربة، أفلتني الشخص الذي امسكني وبدأ يتحدث الي، لم أسمع مايقول ولكني أطلقت العنان لدموعي فلم أعد أستطيع إمساكها أكثر، وأتبعتها بصوت نحيب عال. لم أخبرهم أني سباح ماهر وكنت فقط أحتاج أن أغسل روحي.
قام أحدهم بإيصالي بسيارته، أوقفته علي مسافة قليلة من البيت وشكرته، كنت احتاج بعض الوقت مع نفسي قبل أن أدخل المنزل. سرت لا أفكر بشيء و رأسي إلي الأرض، لفت إنتباهي قطعة خشبية ملقاة علي الطريق، كانت لدي هواية النحت قديما. بحثت عن مسماري ومطرقتي كم أشتاق للنحت، جلست القرفصاء وبدات علي الفور عند وصولي. سمعت أمي الطرق وجاءت لتتفقدني، وأختي تمددت علي السرير إلي جواري تراقبني، وأنا مندمج ومستمتع ولا أدري ماذا سأصنع، تركت للقطعة أن تقودني. وأخيرا إكتمل الشكل، مجسما لسفينة تشبه التيتانك بأدق التفاصيل، وقبل أن أتأملها جيدا خطفتها أختي وقبلتني علي راسي وخرجت.
في الصباح لم أغادر الفراش، بقيت مستلقيا أراجع احداث حلم ظل يروادني طوال الليل، كنت أري نفسي قبطانا لسفينة أقودها في عرض البحر، لم أكن أريد لهذا الحلم أن ينقطع ولا لإحساس المتعة أن يزول. حتي فوجئت بإيدي تهزني بشدة، إكتشفت أني عدت للنوم ثانية، كانت أختي ومازالت بملابسها الدراسية، جلست علي حافة الفراش وأخرجت ورقة من حقيبتها وبدأت تقرأ كل اسم والشكل الذي يطلبه
– لقد دخلت حتي مكتب المدير واخبرته أنك تصنع اي شكل وأسعارك مناسبة.
مازلت أذكر هذا اليوم كأنه البارحة، الآن وقد صارت هوايتي هويتي؛ أسأل نفسي عما كنت أفعله طوال تلك السنوات وأبتسم عندما تجاوبني ” لم تكن سوي قط لم يخبره أحد أنه يطارد ذيله”.

 

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا