الرئيسية تاريخ وسياحةتاريخ السودان لوحات أميرات و ملكات النوبة في العصور الوسطى “ذوق و أناقة”

لوحات أميرات و ملكات النوبة في العصور الوسطى “ذوق و أناقة”

بواسطة مجلة السودان
نشر اخر تحديث 29 مشاهدات

بقلم : هيثم عباس عبد الرحيم محمد

تكشف لوحات أميرات و ملكات النوبة في العصور الوسطى و التي اكتُشفت في كاتدرائية فرس وتعرض الآن بمتحف السودان القومي قمة الرقي والأناقة والدقة في تصوير الملابس فقد ارتدين أفخم الثياب التي ارتدتها رصيفاتهن أميرات و ملكات أوروبا في العصور الوسطى، مما يدل على ذوقهن الرفيع و مواكبة تقاليع الموضة العالمية التي كانت سائدة في ذلك الوقت ونجد أن كل أنواع التيجان و الأرواب بيزنطي بما لا يدع مجالاً للشك وهذا دليل على بقاء و ثبات التقاليد و الأشكال البيزنطية و التي نراها على الأقمشة.
ذكر المقريزي و هو من كتاب العصور الوسطى ناقلاً عن أبي خليفة بن هشام البحتري بعض أنواع الثياب و المنسوجات الراقية و التي كان أمراء و أميرات النوبة يطلبونها و تدفع لهم مقابل البقط.

كانت صناعة النسيج النوبية تتشكل أساساً من القطن الذي نسجت منه الثياب و الأقمشة البيضاء التي شكلت معظم ملابس عامة الشعب و أيضاً بعض الأقمشة التي صنعت للصفوة.
كانت أغلب القفاطين والأقمشة الثقيلة تصنع من الصوف أو الوبر و تزين بألوان زاهية متعاقبة أو برسوم على شكل مربعات.
تم العثور على بعض الأدلة القليلة على نسيج الحرير الذي شكل غيابا كبيرا رغم قيمتة و أهميتة في عالم العصور الوسطى.
ومن المنسوجات الغريبة تم العثور على منسوجات نسجت من الشعر الآدمي على شكل حبال و أشرطة و بسط عثر على أغلبها في المقابر.
فيما يلي نقدم وصفا بسيطا لبعض لوحات الأميرات و الملكات النوبيات من العصور الوسطى والتي تعرض بمتحف السودان القومي :-

(١) لوحة ماريسا أم الملك أو الملكة الأم :

يعود تاريخ هذه اللوحة إلى عهد الملك النوبي زكريا أو ابنه قورقي الأول حيث يعتقد بأنها أمه وقد رسمت على جدران كاتدرائية فرس في نهاية القرن العاشر الميلادي حوالي عام ١٠٠٠م و تظهر الملكة تحن حماية السيدة العذراء التي تحمل المسيح الطفل وتلمس كتف الملكة كإشاره للحماية المقدسة وقد كتب اسمها إلى جانبها بالحروف النوبية و اليونانية القديمة.

لوحة الملكة الأم ماريسا تحت الحماية المقدسة للسيدة العزراء والتي تحمل المسيح الطفل

تحمل اللوحة كل تفاصيل المظهر الخارجي الملكي الباذخ الثراء حيث ارتدت الملكة جلباباً داخلياً طويل أبيض اللون تتخلله خطوط أرجوانية اللون على شكل مربعات مقسم بمساحات طولية ذات لون ارجواني فاتح خططت هي الأخرى بذات اللون الأرجواني على شكل مربعات صغيرة تتقاطع في صفوف مائله و ينتهي طرف الجلباب بمساحة عرضية ذات لون ارجواني اغمق بنفس تشكيلة المربعات الصغيرة المتقاطعة تحيط بها و تظهر دقة الفنان النوبي هنا في تصوير تلك المربعات و الخطوط والتي تبدوا و كأنها مجسمة.
تلتحف الملكة برداء خارجي أو روب ارجواني فاتح مائل للصفرة و مطرز بحبيبات دائرية صغيرة في الأطراف بيضاء اللون و يغطي الروب كل الجلباب الداخلي ماعدا الجزء الأسفل الأمامي وتغطي كل مساحة الروب أشكال دوائر كبيرة تحيط بقطر كل دائرة دائرة أخرى أصغر تفصل ما بينهما مساحة بيضاء، تتوسط الدائرة الثانية دائرة ثالثة أصغر و التي تتوسطها دائرة رابعة أخيرة أصغر لونت بلون أحمر أو أخضر فاتح و تفصل مساحة بيضاء صغيرة ما بين الدائرتين و تحيط مجموعة من ثمانية دوائر صغيرة لونت باللونين الأحمر والأخضر الفاتح أو الرصاصي بقطر الدائرة الثانية بما يشبه شكل شريحة الليمون و هناك دوائر صغيرة ذات ألوان حمراء و خضراء تفصل ما بينها مساحة بيضاء وزعت بصورة عشوائية ما بين الدوائر الكبيرة الأساسية في التشكيل.
و ينتهي الروب بياقة على شكل حدوة حصان طرزت بحبيبات دائرية صغيرة في الأطراف بيضاء اللون على خلفية حمراء مع تشكيل من دوائر صغيرة حمراء و خضراء تملأ كل مساحة الياقة.
تحمل الملكة بيدها اليمني صليب خشبي أو ذهبي جميل الشكل بينما تحمل بيدها اليسرى منديل أو أشرطة قماش بيضاء شكلت بمثلثات و خطوط ارجوانية اللون مع شراشف عند الأطراف.
تظهر أظافر يدي الملكة ماريسا مطلية بلون ابيض.
رسم وجه الملكة بتفاصيل وملامح نوبية لا تخطئها العين و بلون اسمر أو بني غامق و هو ذات لون البشرة الشائع وسط النوبيين المعاصرين و يبدو من صورتها أنها قد تكون في منتصف الخمسينيات من عمرها عندما رسمت لها اللوحة.

ارتدت الملكة قرط ذهبي كما يبدو حيث صيغ على شكل (E) اللاتيني مقلوباً يعلوه الحرف نفسه بشكل أصغر وهذا النوع من الأقراط ربما بقى إلى اليوم في بعض التصاميم المعاصرة.
ترك شعر الملكة الأسود الناعم و الطويل فيما يبدو منساباً مرتباً منسدلاً على الأكتاف و الظهر.

نلاحظ أن الملكة ماريسا ارتدت تاجاً قريب الشبه بالتاج المصور فوق رأس السيدة العذراء الجالسة على السرير في لوحة الميلاد الشهيرة بكاتدرائية فرس و التي تعود إلى عام 1000 ميلادية و أيضاً مشهد السيدة العذراء ترضع السيد المسيح، و هذا التاج ذو القرنين يبدو أنه كان رمزاً للمملكة النوبية كما ذكر المؤرخون والتاج عبارة عن صفيحة ذهبية فيما يظهر نقش عليه أشكال مربعات و دوائر و مثلثات محلاة بالجواهر و يعلوها قرنين ذودا هما أيضا بالجواهر و الأحجار الكريمة و يتوسطهما صليب ذهبي.

ارتدت الملكة طرحة من قماش أحمر صبغت أو خيطت أطرافها بقماش أخضر تنسدل حتى منتصف الظهر تقريباً، و ترتدي الملكة حذاءً أو خفاً بني اللون بكعب صغير أسود ذا شكل نمطي.

(٢) أميرة نوبية تحت حماية الراهب آرون :

لوحة أخرى من إبداعات الفنانين النوبيين الذين رسموا على جدران كاتدرائية فرس – هذه اللوحة التي رسمت في الجزء الشمالي من صحن الكاتدرائية تخص أميرة نوبية مجهولة الاسم تعود إلى القرن العاشر حوالي سنة 800 ميلادية تقريباً ربما كانت زوجة الإبارش أو إحدى أميرات البلاط واللائي كن يقدمن خدمات للكنيسة فكرمتها الكنيسة برسم صورتها على الجدار تحت حماية و مباركة الراهب آرون الزاهد و هو قديس كان له شعبية كبيرة في منطقة أسوان و بلاد النوبة و ربما كانت الملكة الأم رغم أنها صورت من غير ارتداء التاج التقليدي.

لوحة لأميرة نوبية تحت حماية الراهب آرون من القرن العاشر كاتدرائية فرس

تظهر الأميرة مرتدية لطقم مكون من قميص أو جلباب طويل صنع من قماش ابيض ذي نوعية ممتازة و فخمة مستورد فيما يبدو تظهر عليه المسحة البيزنطية و هذا النوع من الملابس كان منتشراً في أوروبا القرون الوسطى وقد طرز أو رسم علية مربعات صغيرة “كاروهات” حددت بخطوط صفراء أو ارجوانية اللون تنتهي أطرافها بحبيبات ذات لون اغمق اما ياقة القميص أو الجلباب فهي على شكل الفيونكة المعتادة.
و ترتدي أيضاً روب أبيض تتخلله خطوط ذات لون أرجواني فاتح مشكل بمجموعة من ثلاثة خطوط طولية تظهر بلون أسود مفتوح من الأمام على شكل القوس.

و يكمل الطقم غطاء للرأس أبيض اللون صنع من نفس تلك النوعية الممتازة من القماش التي صنع منها القميص أو الجلباب.
و ترتدي الأميرة حذاءاً تقليدياً بلون بني غامق، و تحمل الأميرة بيديها جرسين رسما بلون ذهبي.
يظهر وجه الأميرة مرسوماً بلون أسمر و عيون واسعة على عادة الفن النوبي في العصور الوسطى، و ربما تتجسد المدرسة الواقعية في الفن النوبي في هذه اللوحة لأنها تؤثث صورة دقيقة بشكل معقول للمظهر الخارجي رغم الشكل النمطي في تصوير التقاسيم.
أما طريقة تصفيف الشعر فقد صف شعر الأميرة القصير الأسود على شكل جدائل رفيعة ممشط بالطريقة التقليدية السائدة إلى اليوم منسدلاً على الكتف و العنق.

(٣) الملكة الأم بكاتدرائية باولوس بفرس :

اللوحة الأخيرة تمثل امرأة أو أميرة نوبية من نساء البلاط و يبدو أنها كانت في أواخر الخمسينيات أو الستينيات من العمر عندما رسمت لها اللوحة والتي وجدت مرسومة في الجزء الغربي من الجدار الشمالي بالكاتدرائية و تعود إلى نهاية القرن العاشر الميلادي.

لوحة الملكة الأم بكاتدرائية بولوس بفرس

هذه اللوحة كسابقتها تخص أميرة مجهولة الاسم نرجح أنها ربما كانت الملكة الأم وقد صورت بتقاسيم تقليدية و عيون واسعة و رسم وجهها بلون أسمر وشفاه مقلوبة، و هنا تبرز الواقعية في الرسم بصورة أدق قليلاً حيث أنها تشبه كثيراً من نساء النوبة اليوم و بالأخص النساء كبيرات السن.
إرتدت الأميرة النوبية طقماً مكوناً من قميص أبيض عبارة عن جلباب طويل خالي من الرسوم ينتهي طرفه الأسفل بنهاية مموجة “كشكشة”.
إلتحفت الأميرة برداء أو روب صنع من قماش أبيض ثقيل مفتوح من الأمام اما على الرأس فقد ارتدت طرحة مصنوعة من نفس القماش الأبيض ثبتت بتاج على شكل ضفيرة تظهر بلون أسود مثبت عليه قطعة ذهبية فيما يبدو على شكل قوس أو ربما تبدو على شكل عقال مصنوع من قماش أو صوف أسود.
و ترتدي الأميرة أو الملكة الأم هذه حذاءً بنياً زين بخطوط أو قماش أبيض على طول المحيط.
أما الشعر القصير فقد جمع و لُف حول الرأس متدلياً على الأكتاف يحيط بالوجه على نحو مألوف حتى اليوم.
نلاحظ اختلاف طريقة تصفيف الشعر في كل تلك اللوحات مما يدل على التنوع و إختلاف الأذواق و تقاليع الموضة

خاتمة :

لقد استعرضنا هنا و وصفنا بعض الجوانب الفنية للوحات بعض أميرات النوبة و ملكاتها الأمهات من القرون الوسطى و محاولتنا هذه لا تعدو أن تكون للتزكير و لفت الإنتباه و إلقاء شعاع من ضوء على تلك اللوحات والرسوم النادرة و التي تعود إلى العصر الذهبي للحضارة النوبية في القرون الوسطى.

Digiprove sealCopyright secured by Digiprove © 2021 Ashraf Eltom

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا