معركة دنقلا الثانية

بواسطة يوسف عبداللّه صالح
نشر اخر تحديث 1٬556 مشاهدات

بعد الهزيمة الأولى لجيش عقبة بن نافع في معركة دنقلا الأولى و التي كانت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب و ولاية عمرو بن العاص على مصر ، توالت هجمات متقطعة من المسلمين على بلاد النوبة و لكنها كانت جميعها تبوء بالفشل نسبة لشدة بأس النوبيين و اسبتسالهم في الدفاع عن أرضهم ضد الغزو العربي.

كانت معركة دنقلا الثانية في عهد الخليفة عثمان بن عفان و ولاية عبد الله بن أبي السرح الذي كان يسعى لإثبات جدارته في ولاية مصر عبر تحقيق فتوحات جديدة للدولة الإسلامية ، فجهز جيشاً عظيماً و سخّر كل إمكانياته لغزو بلاد النوبة و فتحها.
تمكنت قوات عبدالله بن أبي السرح بالفعل من التوغل في بلاد النوبة نسبة لقوة جيشه و تراجُع القوات النوبية ،و تحديداً في بداية العام 652 م استطاعت قوات المسلمين من حصار دنقلا عاصمة مملكة المقرة النوبية .

تمترس النوبيون الذين كانوا قلّة من الرماة حول حصون المدينة و صاروا يرمون بالنبال كل من يحاول الاقتراب منها ،مما اضطر جيش المسلمين من قصف المدينة بالمنجنيق و التي كانت تعتبر أقوى آلة حربية في ذلك العصر ، إلا أن هذا لم يثن عزم النوبيين الذين جاؤوا من كل حدب و صوب لحماية دنقلا.
فعن عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل عثمان على مصر في سنة إحدى وثلاثين فقاتلته النوبة ،قال ابن لهيعة و حدثني الحارث بن يزيد قال اقتتلوا قتالاً شديداً وأصيبت يومئذ عين معاوية بن حديج وأبي شمر بن أبرهة وحيويل بن ناشرة فيومئذ سموا رماة الحدق فهادنهم عبد الله بن سعد إذ لم يطقهم
و قد وثق الشاعر العربي هذه المعركة بقوله :

لم تر عيني مثل يوم دمقلة
والخيل تعدو بالدروع مثقلة

أدرك عبدالله بن أبي السرح صعوبة الإستيلاء على هذه المنطقة ، فتم إقتراح الهدنة ، وهي ما عرفت في المراجع التارخية بإتفاقية البقط (أطول معاهدة في التاريخ).
بعد تفاوض طويل بين عبد الله بين أبي السرح و ملك المقرة قاليدورت اتفق الطرفان على البنود التالية :

• ألا يهاجم العرب النوبة و ألا يهاجم النوبيين مصر.
• لمواطني البلدين حرية التجارة والسفر بين البلدين، ويحق لهم المرور بأمان من دولة لأخرى.
• منع الهجرة والاستيطان لمواطني الدولتين في أراضي الدولة الأخرى.
• تسلم كل دولة العبيد المارقين من الدولة الأخرى إليها.
• مملكة المقرة كانت مسؤولة عن الحفاظ على مسجد للزوار المسلمين والمقيمين.
• المصريون ليسوا ملتزمين بحماية النوبيين من الهجمات من قبل أطراف ثالثة.
• تقدم المقرة 360 عبدًا سنويًا إلى مصر. على أن يكون هؤلاء العبيد صحيحي الأبدان ليسوا من العجائز أو الأطفال، ويكونوا خليطًا من الذكور والإناث. يضاف عليهم 40 عبدًا توزع على وجهاء مصر.
و رغم عدم وجود وثيقة تاريخية واضحة لنص الإتفاقية إلا أن العديد من المؤرخين تناولوها بأكثر من رواية .

تناول ابن عبد الحكم أحد المؤرخين الأوائل المعاهدة، و أورد نصين مختلفين للمعاهدة. الأول يُلزم النوبة بإرسال الرقيق، مما يرمز إلى التبعية لدولة الخلافة في مصر، والثاني يضيف إلتزامًا من المصريين أيضًا بإرسال البضائع من القمح والعدس للمقرة، وهذا من شأنه أن يضع البلدين على قدم المساواة.
هذه المعاهدة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الفتوحات العربية، وهي تشبه تحالفات الإمبراطورية البيزنطية أحيانًا مع جيرانها. كما أنها أوقفت نشر الإسلام في هذه المنطقة لمدة 750 عام، مما تسبب في بعض الجدل بين علماء الدين الإسلامي حول ما إذا كانت تنتهك واجب الجهاد.

في عام 830م غرقت مصر في فتنة خلاف الأمين و المأمون، فامتنع الملك زكريا الثالث ملك المقرة عن دفع ما ألزمته به المعاهدة. وعندما خمدت الثورة، أرسل والي مصر إلى المقرة رسولاً مطالبًا استئناف المعاهدة، ودفع المتأخرات، وبسبب عدم قدرة زكريا على دفع ذلك مرة واحدة، أرسل ابنه و وريثه جيورجيوس في رحلة طويلة إلى بغداد عام 835، للتفاوض مباشرة مع الخليفة. حققت هذه الرحلة نجاحًا كبيرًا، وألغيت المتأخرات وتم تعديل المعاهدة بحيث لا تلتزم المقرة سوى بالدفع كل ثلاث سنوات.

كانت تلك المعاهدة من أوثق العلاقات خلال الحكم الفاطمي لمصر، حيث كان حلفاء الفاطميين الشيعة قلائل في العالم العربي، لذا أصبحت بلاد النوبة حليفًا هامًا لهم. كما شكّل الرقيق المرسلين من النوبة العمود الفقري للجيش الفاطمي، ثم ساءت العلاقات أثناء حكم الأيوبيين، وانتهت تقريبًا في فترة حكم المماليك.
أخيرًا، انتهت المعاهدة في منتصف القرن الرابع عشر، مع الانهيار التام لمملكة المقرة.

Digiprove sealCopyright secured by Digiprove © 2020 Ashraf Eltom

ربما يعجبك أيضا

3 تعليقات

د. عبدالرحمن 2020-10-09 - 2:08 مساءً

وعندما دخلت تلك النسخة من الاسلام كانت اسلام الكذابين والمفترين والظالمين كما قالت الاية في عبدالله بن ابي السرح ومن “اظلم ممن افترى على الله كذبا”

Reply
Rogaya Abdulgadir 2020-10-02 - 10:37 صباحًا

جميل جداً.. في الفكرة وطريقة السرد ❤

Reply
غير معروف 2020-10-01 - 9:50 مساءً

مقال أكثر من رائع… يسلم المجهود👍

Reply

اترك تعليقا