الرئيسية الأدبقصص قصيرة ممشى الذكريات

ممشى الذكريات

بواسطة مآب خلف الله
98 مشاهدات

بعدَ أن تضل طريقك، ها أنت ذا تقتفي من جديد نفس آثار ضلالك وتمشي في اتجاهِ حماقةٍ قديمةٍ، اذ لا خيارَ لكَ سوى العبورِ بهذا الطريقِ مراراً وتكرراً. تجد أنّهُ من الصعب جداً تغييرُ مسارك باعتبار أنّك انسانٌ يعتادُ على بعضِ الاشياء ويتمسكُ بها غير مُبالٍ لكل ما سيحدثُ بعدها، ترتمي في جوفٍ عميقٍ من اللاشيء المحيطُ بك، تُصدّقُ أن لا مخرجَ سوى ذلك الملجأ القديم رغم إلحاحُ عقلك الدائم على ايقافك، وقلبك يؤنبك ان توقفت الآن فتصبحُ معركةً طاحنةً يفوز بها قلبك ويُمايلُ عليك الذكريات فتركض مسرعاً إلى مكانك المعتادُ مجدداً..

في عالمٍ يضّج بأصواتِ خطواتِ المارة على الرصيف، ودخانُ عوادم السيّارات، و أصواتُ الأطفال يَلعبون في أزقّة حيٍّ ضيقٍ، وسط كُلّ هذا الضجيج وَقفت فتاةٌ تنظرُ عبرَ نافذَةٍ تُطلّ على كل شيءٍ يُشتِتُ الانتباه، إلا أنّها كانت تملك من الهدوء ما يكفي لإسكاتِ هذا العالم وللأبد، كانت ترمقُ كل شيءٍ بنظراتٍ ثابتةٍ لا تغيّر فيها، ترى كُلّ شيءٍ ساكناً، عيناها كانت تُخبر كُلّ من يراها بعُمقِ القاعِ الضائعة داخلهُ، تفكّر في كل شيءٍ وسط زحامِ أمنياتٍ باتت شبه مستحيلة، ولكّن قلبها ما زال ينبضُ بنفسِ النَّبض، ويحلمُ أن تعودَ صاحبتهُ كما كانت قبلاً، هو يعلمُ أنّ ما بها ليس حُزناً أو هروباً بل كان اختباراً لنفسها بأن تبقى صامدةً حتى تخرجَ من متاهةٍ أتعبتها طويلاً.

الآن إنّها العاشرةُ مساءً بتوقيتِ الحنين إلى ما مضى، تُفَكرُ كثيراً عمّا اذا كان ما ستفعلهُ هو الخيار الصائب في المُضيّ قدماً، تبدأ بإمساك قلمها وتكتبُ رسالةً طويلةً خاتَمتها : “سأنتظرُ حتى يزول ما بكَ وسيبقى ما بي”. رسالةٌ بها أملٌ للقاء شيء بعيدُ المكانِ قريبُ الهوى، كتبتها بعد أن فكّرت مليّاً، فهي تعلمُ أن الذنب وحدهُ على تلك المسافات التي فرّقت بينهم وحالت بين لقاءهم، فلا شيء يصلُ منه منذ فراقهم سوى بعضِ الحروفِ على ورقٍ تحتفظُ به داخل خزانتها مع بعض الذكريات التي كانت تُسميها “أملاً”، فهي رغم كُلّ المدّة والتردد والحيرة الا أنها وأخيراً وجدت أن الانتظار هو الحل، فهي تُحب كل شيء به وتتذكر كل وقتٍ معه، فلا تستطيعُ أن تكّن له شيئاً آخر، فالكُرهُ لا يشبهها وان فعلت وكرهتهُ فلن يكون في هذا العالم شيئاً يستحقُ الحب بعده.

رسائلُه التي كانت تصِلُ إليها – أغلب الظن أنّه مُرغَمٌ على ارسالها- كانت طمأنينةً لها بعد كل مرّة احسّت فيها بالاستسلام للواقعِ والبعد وقررت الانسحاب ثم أن تحرقها كلها وتحرم نفسها من كلّ شيء يخصه، هذهِ الأوراقُ هي التي تبث فيها كل تلك السكينة التي تحيط بها كهالةٍ وضّاءة، فهي ترى أنه يستحق الانتظار فمدينتها مظلمةٌ بدونهِ، ولا مُرشد لها في هذا الضياع سواه، فالآن تُقيمُ طقوساً مع نفسها، يتسارع نبضها فورَ تذّكر نظراتهِ المُعتادة الدافئة، وتعزفُ لحن العودةِ إلى ديارهِ فلا أمل بالبقاء وحيدة، تنادي شمسها فقد طال شتاءُها قرناً، وترسمُ خارطةَ اللقاءِ وتجعل قلبهُ متجهاً، فهي عاشقةٌ على ورقٍ ينتابها الغرامُ ويتوهُ بها، وفي عينيها نظرةٌ تكاد تصبحُ حروفاً ظهرت بين مقلتيها وتقول : أظن أنّ الأمر يستحقُ كل هذا العناء، فحان الوقت أخيراً لأن يُغازِل عُمري سماءً تحمِلُ بعضاً من مشاعِرِهِ، ويغوص قلبي داخل محيطِ عينيه، وينتهي الأمرُ بالخروج من تلك المتاهة البغضية طويلةُ الأجل، والدخول في متاهاتٍ داخل قلبهِ.

#MaAb_Khalafalla

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا