واحات القعب

بواسطة مجلة السودان
نشر اخر تحديث 5٬437 مشاهدات

تعرف على أجزاء السودان …واحات القعب

تقع في الولاية الشمالية محلية دنقلا ، تبعد من النيل حوالي 70كلم غربأ الي عمق الصحراء..

القعب واحة مشرفة بين صحراء محرقة، يشتد بها الحر ويعنف فيها القر، تكاد تصعب فيها السكنى وتستحيل الإقامة، لولا أن الله وهب لنا تلك الواحة البهيجة، والروضة النضرة، فتوقت إليها السكنى وطيبت بها الإقامة وحببت فيها الحياة.

ليس القعب واحداً في عدّه، ولا شاسعاً في بعده فهو عدة واحات متقاربة الأطراف مختلفة الأسماء، متحدة المنفعة والدواء، سُميت بالقعب في مجموعها، ولكن لكل قعب منها اسم خاص به، كقعب اللقية وهو أشهر، والسواني، وأبو نمل، وما إليها، مما يبلغ العشرة أو ينيف عدّاً.

يشغل القعب جزءاً كبيراً في الجزء الغربي من منطقة دنقلا، ويبعد عن النيل حوالي 70كلم، ويسافر إليه بالمطايا نظراً لقلة السيارات ووعورة الطريق ، ولكنها ستعم في المستقبل القريب كل أنحائها ولا سيما بعد أن انتظم طريق المواصلات بالسيارات بين مدينتي دنقلا وحلفا شريان الشمال، ولا يفوتنا أن مشقة السفر هذه لا تمنع الوصول إليه على متون الإبل بأجرة زهيدة وزمن وجيز، نعم بالابل وخصوصاً إذا توجه المسافر إليه من مدينة دنقلا ، أو من إحدى القرى المنتثرة هناك على طول النيل، ويبتدئ موسمه عادة في آخر فصل الصيف في الزمن الذي يقرب أو يتم فيه نضج البلح الذي له – على ما يزعم البعض – أثر كبير في الشفاء وصحة البدن، ويصنع منه شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، منه ما هو سائغ الطعم لونه أصفر مشرب بحمرة، حلوة لذيذة، يسمى (الشربوت) .

والقعب بلدة طيبة المناخ غنية خصبة الثرى وافرة النعيم، يؤمها البدو ( الكبابيش ) صيفاً ويرحلون عنها شتاء ينتجعون الكلأ والماء، ويطلبون الغنى والثراء من أكف المرضى وأيدي السائ الذين يفدون إلى القعب زرافات ووحداناً من أقصى جهات السودان وبعض البلدان الأخرى. يقاضونهم أجراً على عملهم ومسكنهم، ويمنحونهم فيضاً من نعمهم. وفضلهم، على أن هاته الأجور وتلك المنح لا يأخذونها من جراء الكراء وتملق النزلاء وحب الاستجداء، كلا، ففطرة البدوي الصميم تأبى عليه أن يتطلب الغنى والجاه من سبل كهذه، لولا أن حاجات العيش الملحة ومطالبه الكثيرة ترغمه على أن يتقبلها كارهاً طائعاً إذ لا سبيل لعيشه بدونها؛ وهو لسمو نفسه وكرم يحتده لا يقبلها إلا بعد أن يرهق بدنه في هناء ضيفه وخدمة نزيله لما رُكّب فيه من طباع الكرم والنجدة والمروءة، وبعد أن يقدم له قرى فاخراً وهدايا جميلة من حمر النعم، وطيب الغنم، ومشتهى الأزاذ، وهي كل ما تصل إليه يد ذلك البائس الكريم، والبدوي إلى ذلك لطيف المعشر بسام الثغر، سريع البدار إلى لقاء الزوار، يستقبلهم بطلاقة ويحييهم يبشر، ويستدبرهم بكرم غيب وطيب ذكر، تلمح في وجهه سمات السذاجة المشوبة بالجهل، وآيات الوداعة الممزوجة بالأنفة والإخلاص مع بساطة عيش وهدوء نفس، وصبر جميل على معاناة النوائب والشدائد.

وهؤلاء البدو لا يختلفون – عادة – عن باقي العرب في أساليب العيش والسكنى وطرق التفكير والتدبير في شئون الحياة، فعيشهم تغلب عليه البساطة، يعتمدون في غذائهم على الألبان واللحوم وبعض التمر والحبوب، أما مسكنهم بسيط متواضع، مصنوع من القش والوبر وخشب النخيل، إلا أنه مع تواضعه وبساطته نظيف الحجرات بارد الظل والنسيم في أوقات العصر لا تنسي أننا في أواخر الصيف ، أما في عز الصيف فحرارة الجو تعرفه من كثبان الرمال والهواء الساخن يعرف عندهم بالسموم . ويعتمد البدو كثيراً في جلب قوتهم على الاحتطاب، وهو أهم موارد رزقهم لفقر بلادهم المجدبة التي لا تصلح أن تكون إقليماً زراعياً مع خصوبتها لندرة الأمطار وصعوبة الري ، وللعلم أن عمق المياه قريب علي نحو 70سم تعرف عندهم بالواحه.

وأرض القعب رملية ناصعة تصمد طوراً حتى تكون نجداً، وتهبط آخر حتى تنحدر إلى وهد أو سهل فسيح تنتشر فيه هنا وهناك كثبان الرمل المتقاودة، وقد قامت فوقها أشجار النخيل والدوم الباسقة حانية أغصانها الخضراء المورقة فوق سفح الوادي وحول حافة الينبوع، ومن بينها تتدلى أقناء البلح موشاة بصفرة الذهب وحمرة العقيق، فيتكون من ذلك منظر طبيعي جميل تتجلى فيه الطبيعة بأجلى معانيها وأروع صورها الفاتنة الساحرة. هناك تحت ظلال النخيل وفوق الرمال وحوالي الينبوع، حيث تخلد النفس إلى الراحة وتنعم بالهناء والصفاء، تحسن المتعة وتطيب المسرة ويلذ الأنس، بل هنالك وحده يصفو العيش، وتسعد الحياة ويحلو المقام. .

وكأني بك وقد جلست عند الأصيل فوق ربوة عالية تسرح الناظر وتمتع الخاطر بمشهد الغزالة عند الغروب، وهي تستل أشعتها الشاحبة من أحضان الوادي الكئيب بعد أن زفت إليه تحية الوداع، وبعدما ألقت عليه نظرة ساجية تفيض بالألم الممض والحزن العميق. أو نهضت من فارشك مبكراً فألفيت الشمس تهبط من خدرها باسمة مشرقة تشيع الحرارة وتنشر الضياء، وتبعث الحياة في جوف ذلك المهمة القفر، وبين جوانب الطبيعة الصامتة، فيستيقظ الطير من سباته الطويل ويصدح بزغاريد الصباح بنغمة سحرية أخاذة وصوت عذب حنون. وهنالك حول الينبوع النمير وبين مدارج السبل ترى فتيات البدو السذج في ثياب فضفاضة وقد بدون سافرات الوجه في صورة مليحة تسحر اللب وتستهوي القلب، لم تعبث بها يد الحضارة الفاسدة، ولما تنل منها مظاهر التجمل الخادع والتكلف المزري الشائن، خرجن يردن الماء وبأيديهن الجرار وهن ينشدن نشيداً يدوياً ساذجاً في لفظه حلواً في معناه، فتمتزج تلك الأغاريد العذبة بهاته الأناشيد السحرية فتتولد منها نغمة قوية مشجية هي كل ما في تلك الطبيعة الجافة الغليظة من موسيقى رائعة، وصوت رخيم. في المساء، وما أسعد سويعات المساء في ليالي القمر البيضاء، إنها والله داعية أنس ومسرح لبانة، ومذادهم، ومعهد سرور. وما أجمل تلك السويعات التي تنفقها في السمر مع بدوي ساذج وديع، يجلس معك ويسمع منك، ويتحدث إليك بأحاديث ممتعة خالية من الحقد والحسد والنميمة. أو تلك التي ترتاد فيها مواطن الرقص في سبيل لذة بريئة، ووراء متعة طاهرة، حيث ترى الفتيان يصفقون والفتيات يغردن، والكل يقف في حركة مستديرة ومن بينهم الراقصة النحريرة، ترقص على توقيع الدف ونغمات العزف، وتتمايل في حركات ريفية واهتزازات بدوية تستلهمها من فن الطبيعة، وتستوحيها من جمال الطبيعة، ولكنها مع سذاجتها وبساطتها بديعة، لأنها صدرت عنها عفو الخواطر، وبدرت منها دون تكلف في الظاهر، وقد يستمر هذا الأنس حتى مغيب القمر ومطلع السحر، وفي النهار تشغل الوقت في عملية الدفن، وماذا عسى أن تكون عملية الدفن هذه؟ وهل هي نوع من أنواع التسلية أو وسيلة من وسائل المعالجة، أو ضرب من ضروب الرياضة؟ وهل اتخذت المعالجة بالقبر طريقة للحياة؟ وليس بعجيب أن تنشأ من القبر الحياة كما قد يطغى على الحياة القبر.

إن عملية الدفن هذه ضرورية للقعب ضرورة (الحمام) للمصيف و (الدفء) للمشتى. ولا أعدو الحقيقة إن قلت إن قلت إن أثرها في جلب المنفعة ودفع الداء أبعد من ذلك وأسمى: فهي بمثابة العلاج الناجع والدواء الوحيد لشتى الأمراض التي استعصى علاجها بالعقاقير والأدوية المختلفة. وكم من مريض لصب جلده من الهزال، وارتهكت مفاصله من الإعياء، وطحطته العلل والسقام، وكان إلى الموت أقرب منه إلى الحياة، جاء إلى القعب ومكث به قليلاً فاستحال هزاله سمناً وضعفه قوة، وتجددت فيه قوى الحياة المضمحلة، وانتعش فيه روح الأمل البائد. وأنواع الأدواء التي يمكن علاجها في القعب عديدة، منها ما هو عضال يصعب علاجه، وما هو وسط يخشى استفحاله، وما هو يسير يسهل استئصاله. وهي في الغالب كل أنواع الأمراض العصبية والروماتزم (داء المفاصل) وبعض العلل الباطنية المزمنة، والشلل بنوعيه الجزئي والعام. . الخ. ومهما يكن من شيء، فعلاجها أمر موكول إلى التجربة والاستقصاء أكثر منه إلى شيء آخر. على أنه قد يشفى منها الكثيرون بعد ما يقطع الأمل في شفائهم. ولا يزال الأطباء في حيرة من أمر القعب لم يهتدوا حتى الآن إلى معرفة حقيقته معرفة تامة تستند إلى البحث العلمي الصحيح، وقد اكتفوا من ذلك بالإشارة إلى جودة هوائه وصحو سمائه، وأثرهما الحسن في نفوس المرضى، وإسداء النصح لمن يستشيرهم في الذهاب إليه من ذوي العاهات والأمراض. وللناس أقوال متضاربة وإشاعات عديدة يتناقلونها ويروونها عن القعب. فمنهم من يذهب في القول إلى أن مصدر قوته السحرية هذه إنما هي عذوبة الماء، ويزعم أناس أنها جودة الهواء، ويجزم فريق آخر أنها أكل الأزاذ والشواء. وعلى كل حال فحقيقة القعب لا تزال غامضة حتى يستجليها البحث والاستقصاء، ويتولى ذلك نخبة من شبيبتنا المثقفة تحت إشراف الحكومة وبتعضيد الشعب. وبالمناسبة ألفت نظر الجميع إلى وجوب العناية والاهتمام بشأن القعب، وذلك طبعاً بتوفير كل معدات الراحة والرفاهية، وتشييد المساكن الفخمة، وتنظيم طرق المواصلات حتى يسهل السفر إليه والإقامة فيه، فيكثر بذلك عدد المصطافين والمرضى، وحينئذ نحصل على مورد لا بأس به من موارد الرزق نصلح به أحوال البلاد خصوصاً هذه المنطقة البائسة في مثل هذه الأزمة الطاحنة ولعلك تشتاق إلى معرفة طريقة الدفن، ولشرحها نقول في إيجاز: تشق الأرض على شكل أخدود أو حفرة أو كما شئت فسمه، ثم ينصب حول هذا القبر المزعوم سياج من أعواد النخيل يسقف ويغطى من الجوانب بأغطية كثيفة تحجب أشعة الشمس عنه، ويكون في شكله أشبه شيء بالتابوت، ويترك حتى يبرد أديمه، ثم يأتى بالشخص المراد دفنه، يضطجع ويهال عليه التراب ويدفن كل جسده ما عدا رأسه ووجهه، ويستمر على هذه الحال بضع دقائق يضيق خلالها نفسه، وتسري في جسمه حرارة خفيفة في بدء الأمر تأخذ في الاشتداد كلما طال مكثه، ويشرع في إخراجه متى بدت عليه مظاهر التعب والضيق. والمدة المحددة لدفنه تستغرق ما بين عشر دقائق وخمس عشرة دقيقة. وبعد خروجه من ذلك الحفره يكون مغبر الصورة معفر الوجه والبدن ملبداً بالتراب الممزوج بالعرق في شكل يثير منك الضحك والعجب وبعد الانتهاء من الحمام يشعر بخفة في بدنه وسرور يغشى نفسه، ويلتهم بعد ذلك طعامه بشهية ونهم عجيبين، وتكرر هذه العملية مرة أو مرتين في اليوم على حسب استطاعة المرء ورغبته، وهي تفيد – على الوجه الأصح – جميع لأمراض العصبية والروماتزم والفالج، ولعل مفعول هذه الحرارة المكتسبة من الدفن يقرب في الغالب – على ما أظن – من مفعول الحمام الشمسي في معالجة هذه الأمراض. ويبتدئ زمنه المناسب من الساعة الثامنة صباحاً والساعة الخامسة في المساء في الزمن الذي تلائم فيه الحرارة الجسم. والدفن ضروري للمرضى. أما ما عداهم فعلى سبيل التسلية والرياضة، ومع ذلك فمنفعته لا يستهان بها في الفتك بالأمراض عند بدئها وإزالة الضعف والنحافة وتقوية العضلات والبدن.

كلية غردون (سودان)

أبو القاسم محمد بدري

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا