الرئيسية العلوم اكتشاف الادوية بمساعدة الكمبيوتر

اكتشاف الادوية بمساعدة الكمبيوتر

Computer Aided Drug Design

بواسطة أحمد صالح الفكي
38 مشاهدات

في الماضي كان يتم اكتشاف الادوية بطريقة عشوائية ولكنها منطقية . اذا ظهر مرض ما فان الاطباء و العاملين في مجال الصحة يبحثون عن نبات او مجموعة من النباتات و المواد الاخرى التي تعالج او تخفف هذا المرض و يكتبون و صفات طبية لهذا و احيانا كانت تصل عدد هذه المواد في مشروب ما الى عشرة و اكثر . و لا يمكن بالطبع نظرا لبساطة الادوات المستعملة تحديد ماهو المركب المحدد داخل هذه النباتات الذي قام بفعل العلاج . و اصبحت هذه الوصفات تنتقل من جيل الى جيل و واصبحت تكتسب شهرة و اسعة اذا كانت ناجحة و تدون في الكتب حتى وصلت الينا مجموعة من الوصفات استخدمها المصريين القدماء و الصينين و البابليين و العرب و الفرس والهند و كثير من القبائل الافريقيه و السكان الاصليين في امريكا على سبيل المثال لا الحصر .

 

و بسبب حركات الترجمة قامت هذه الحضارات و خاصة الحضارة الاسلامية ومن بعدها الحضارة الغربية الحديثة بترجمة و جمع هذه العلوم و تنقيحها و تفنيدها و التحقق من بعضها و اضافة بعضها و هكذا تطور هذا العلم . و يالها من قصص : ممتعة هي احيانا و مؤلمة احيانا في حوادث اخرى تلك التجارب التي مكنت المجتمعات من التعرف على الادوية القيمة و التخلص من الادوية الخطرة و منتجات الشعوذة التي وجدت في تلك العصور . و باذن الله سنذكر كثيرا من هذه القصص في مقالات قادمة .

 

تداخل العلوم

نظرا لتطور العلوم الاخرى مثل علوم الاحياء و الكيمياء و وغيرها من العلوم التى بفعل تراكمها و تداخلها مع بعضها البعض اصبحت قادرة على النظر في تفاصيل المواد التي توجد في النباتات والمستخلصات و العناصر الطبيعية و المركبة . اصبح بالامكان الفصل بين مكونات النبات الواحد و تجربة كل مكون على حدة . و كذلك الفهم الادق لاسباب المرض مثل اكتشاف الكائنات الدقيقة من بكتيريا و فيروسات مرورا بالطرق التي مكنت العلماء من التعرف على انسجة الجسم المختلفة و انواع الخلايا المختلفة وتنميتها في المعامل و اخيرا اكتشاف المادة الوراثية و تركيباتها من احماض امينية و بروتينات و غيرها .

اصبح بالامكان الان ولاول مرة التنبؤ بمفعول مركب ما نظريا على الاقل . واصبحت كثير من الادوية تكتشف على اساس ( التنبؤ ثم التجربة ) بالاضافة الى الطرق السابقة ( التجربة ثم التفسير ) و اتجه هذا الحقل من العلوم ( اكتشاف الادوية ) الى اتجاه جديد و مثير يحمل بين طياته الكثير من الامل و الكثير من التقدم .

كيف يتم هذا التنبؤ و على اي اساس ؟

تطور علوم الكمبيوتر و الرياضيات ادى الى امكانية محاكاة العمليات الحيوية داخل برامج هندسية مصممة بحيث يستطيع الباحث تحديد الهدف الذي يريد الباحث التاثير عليه بصفته احد مسببات المرض او تجسيدا له  . و بعد تحديد هذا الهدف يستطيع الباحث تجربة عدد كبير جدا من المركبات الكيميائية لمعرفه مدى تاثيرها و ارتباطها بهذا الهدف .

صورة من احد البرامج المصممة لمحاكاة التفاعلات الحيوية

صورة من احد البرامج المصممة لمحاكاة التفاعلات الحيوية

 

بصيغه اخرى : لنقل جدلا اننا نريد القضاء على طفيل الملاريا و بعد دراستنا لهذا الطفيل وجدنا انه يمتلك بروتينا على سطحه الخلوي اساسيا لحياته وهو الذي يجعله مثلا يلتصق بخلايا الدم الحمراء و اصابتها . و اقترح الباحثون انه بتعطيلنا لهذا البروتين او تغيير شكله او حتى تقييده فانه بامكاننا ان نمنع طفيليات الملاريا من الالتصاق بالخلايا الدم الحمراء و اصابتها . وبالتالي نظريا يمكننا ان نعالج الملاريا بهذا المركب . لنفترض جدلا ان هذه هي المشكله التي امامنا . و الان لناتي الى الحل ؟

في السابق كان علينا ان نستخلص المئات بل الالاف من المركبات و جمعها في ما يسمى مكتبة المركبات و من ثم تجرب كل واحد منها على حدة على طبق تجارب بداخله طفيل الملاريا و كريات الدم الحمراء و معرفه من من هذه المركبات منع طفيل الملاريا من اصابة الخلايا عن طريق فحصها بالمجهر و من ثم محاولة معرفة سبب هذا النجاح ومقارنته بباقي المواد لمعرفة افضلها .

لاحظ ان لكل ماده هناك عملية استخلاص ثم تجربة ثم ملاحظة و تفسير ولنقل اننا سنفعل هذا 10 الاف مرة لاننا نملك 10 الاف مركب نريد دراسته . هذا ما كان يتم فعلا و ياخذ عدة سنوات و يستهلك جهدا و موارد و عدد كبير من العلماء و مالا اكثر و من كل هذه الالاف من المركبات سنصل الى مركب واحد هو الافضل و في بعض الاحيان لن نصل الى شيء فحتى افضل المركبات لن يكون مؤثرا لدرجه ان يستخدم كعلاج لاننا بالطبع لم نجرب كل المركبات في الطبيعة : فقط 10 الاف مما لدينا .

 

هذا هو الماضي .. فما الذي تغير ؟ الذي تغير هو ان البرامج الهندسية الحاسوبية التي اشرت اليها سابقا تم تصميمها بحيث تحاكي شكل البروتين الذي نستهدفه و كذلك شكل المركبات التي نريد تجربتها والاهم من هذا محاكاة التفاعل بينهما ( بناء على نظرية القفل و المفتاح : بان البروتينات و الانزيمات تؤدي وظيفتها بناء على شكلها .. كما يعمل القفل و المفتاح ) . بالتالي يمكننا بسهولة تجربه هذه المركبات ال10 الاف مع بروتين الملاريا في الكمبيوتر خلال اسبوع فقط مثلا و بتكلفة تقدر بتكلفة الكهرباء التي تشغل هذا الكمبيوتر فقط . سنوات اختصرت الى اسبوع .

ومن ثم يقوم الكمبيوتر بحساباته و يعطينا افضل 10 مركبات .. و تنتهي الخطوة الاولى .. و يدخل العلماء الى المعمل ب 10 مركبات فقط للتجربة بدل 10 الاف مركب . وتتم باقي التجارب كالمعتاد بعدما اختصرنا سنوات من الابحاث والاموال في خطوة سهلة .

 

نحن جميعا جزء من العملية ؟

من الجدير بالذكر اننا كمجتمعات تفتقر الى ميزانيات البحث العلمي الكافية و الادوات البحثية المتطورة بينما  نملك المهارات و الافكار  . و لهذا اشير الى اهمية هذه التطورات الجديده التي تمكننا ان نشارك في الابحاث العلمية المعقدة بعد ان تخلفنا عنها سنينا. فجهاز كمبيوتر متوسط و عدة برامج و معرفة جيدة بالمرض او الافة التي نريد استهدافها يجعلنا نخرج بمقترحات و معلومات اولية قيمة عن دواء مقترح و يمكن تقديم هذا المقترح لعالم اخر ليقوم بالتحقق منه معمليا ثم تخرج النتائج الى عالم اخر ليقوم بدراسة المركب و مدى صلاحيته كدواء . كذلك يمكننا بناء المزيد من هذه التطبيقات الحاسوبية و انشاء مكتبات الكترونية للمركبات المحلية لاثراء المحتوى و المساهمة بشكل فعال في هذه المسيرة .

وبالمناسبة فان تعلم هذه البرامج و استخدامها هو شيء يسير و متاح للجميع . هذه الطريقه ليست فقط لاكتشاف الادوية و لكنها ناجحة ايضا في العلوم الزراعية و مكافحة الافات و القضاء على التلوث و مجموعة كبيرة لا حصر لها من التطبيقات اكبر مما نتخيل. فهذا التزاوج بين الكمبيوتر و العلوم الحيوية انتج علما يسمى بالمعلوماتية الحيوية  أو الـ (Bio-informatics ) وهو مجال اوسع من يكون فقرة في مقال بل يحتاج ان نفرد له مقالا منفصلا .

و اعلم ان هذا المقال يخفي اكثر مما يكشف و لربما جال في خاطرك عزيزي القارئ هذه الافكار : ماهي هذه البرامج و كيف اتعلمها و هل هي مجانية ؟ هل يمكن لاي شخص استخدامها وما مدى موثوقيتها و هل نجحت بالفعل في انتاج ادوية و مركبات ناجحة ؟ المراجع .. الدورات .. الكتب .. اريد المزيد ؟

هذه الاسئلة باذن الله هي ما سنجيب عنه في المقالات القادمة الى ذلك الوقت دمتم بود و دمتم سالمين !

 

وبالمناسبة هذه البروتينات على سطح طفيلي الملاريا لم تكن مجرد مثال للتوضيح فقط .. بل هي خلاصة مجموعة من الابحاث التي تهدف الى التوصل الى دواء يمنع طفيلي الملاريا من اصابتنا بالمرض . انها احدث الابحاث التي تجري حاليا و يمكننا جميعا المشاركة بها .

Digiprove sealCopyright secured by Digiprove © 2021 Ashraf Eltom

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا