العملاق

بواسطة منال جودة
3٬174 مشاهدات

تجمهر الناس أمام بيتنا علي صوت سيارات الشرطة ووقف الجميع مذهولا يبحلق في يدي الملطختان بالدماء، امي جسد مطروح وسط فناء البيت( الحوش) ، أبي لا أثر له ومن بين كل الوجوه وجهي فقط كان مبتسما.
طفل أنا و يشاركني فراشي عملاق يكبرني كثيرا. ابي احضره وامي ساعدت في تربيته حتي فاقني حجما وعمرا وصارت الكلمة له.
يزاحمني في كل مكان، حينما العب مع اصدقائي أصير أنا لعبتهم بأمر منه، حينما أنام ياخذ نصيب الاسد من الفراش وينتزع النوم من عيني لينام هو، يبلل الفراش ليلا ويتهمني أنا، جسدي الصغير لا ينجو من عقاب امي، هو يبتسم دائما، امي… انا انظر الي عينيك واناديك ولكنك لا تريني ولا تسمعين  فالعملاق يحجبني عنك.. الي متي ستضربين؟ انا احس الالم وانت ماذا تحسين؟؟!!. علي كل هذا أخف من عقابك عندما اشتكت اليك الجارة… امي انا…. ولكنك لا تسمعين اردت ان اخبرك انها خطفت لعبتي وارادت ان تركض امسكتها فسقطت ارضا وجرحت ركبتيها وجبينها.. ولكن عندما رايت العملاق هربت الحروف الي حلقي حاولت إخراجها ودفعتها دفعا عساك تسمعين ولكنها اختلطت وتخبطت ببعضها وخرجت لغة حتي انا لم افهما… يومها يا امي ظللت تضربين والجارة تنظر اليّ وهي تحمل ابنتها التي مازالت الدموع تنهمر من عينيها…
الله علي الحرية التي تنعم بها إبنة الجيران… دموع!!!… الله… الله..الله لو ترين حين يضربني أبي ويصرخ بعينيه محرما علي الصراخ أو إنزال دمعة واحدة… الله لو تحسين الصرخة وهي تتلوي داخلي مثل ثعبان يصارع سكرات الموت.. الله لو تحسين الرمل داخل عينيك دموع متحجرة ولو تبلتعين الحصي غصة في حلقك.
هذي اليد التي تحملك ياجارتي وانت بهذا العمر أنا لم انعم بمثلها حسبما تخبرني زاكرتي.
العملاق له عيني أبي ويد امي وجسد لا مثيل له، أخشي أن يخبر أبي إن لمست شيئا، أو لعبت بشيء، أو تأوهت متألما من شيء، أنا لا أعرف ماهو ممنوع وماهو مسموح إختلط علي الأمر… لدى أبي لا شيء مباح، ليته لا يعود من العمل ابدا، ليته ينام هناك، وامي التي لا يهمها سوي مايقوله الناس عن نظافتها، ترتيبها، اثاث بيتها وملابسها المحرمات لديها أكثر، ليتها يوما تستمع إلي ما أقوله أنا بدلا عن العالم حولها.
أنا لحظاتي مسروقة، طفولتي مشوهة، جسدي معروض في مزاد علني وأخيرا أصبح مباح مجانا، أين يفتح بلاغ في هكذا جرائم؟!!. إبن الجيران الذي يكبرني كثيرا كان يفعل بجسدي أشياء لا أفهمها مؤلمة جدا، ولكني لا أفعل شيئا سوي إغماض عيني ألما؛ فالعملاق هنا والصراخ والدموع حرام. لا يمر يوم دون أن يعاقبني أحد والديّ أو إبن الجيران، علي ماذا العقاب لا أدري، كل ما أعرفه أن جسدي صغير وزاكرتي حديد و غدا سأكبر.
الآن أنا إبن السابعة عشر، عدت للتو الي بيتنا بعد غياب عشر سنوات في بيت جدي كانت من أجمل ايامي، جدي اخذني بعد أن أصبحت أمي حامل، هكذا وعده أبي بأن يهبه ابنه الاكبر ان صار له اخ، وقد كان.
عدت الي البيت الذي اكره كل ركن فيه وعملاقي رحل وعاد معي. في بيت جدي عرفت أن الايدي لم تخلق للضرب فقط بل يمكن ان تربت بها علي الظهر، ويمكن تمسح بها علي الرأس، ويمكن ان تنام عليها. في بيت جدي كانت جدتي تقبل كل مكان في جسدي وهي تغني بإسمي، وحينما انام تتفقدني كثيرا وتطبع قبلا علي جبيني، العملاق كان يخافها جدا ويخاف جدي ايضا لذلك كنت دائما امكث النهار بجوار أحدهما، وكنت أحس باني كائن محبوب ومهم.
طوال السنوات العشر كنت أرفض الذهاب مع جدي الي بيتنا وكان يستجيب لرغبتي، والآن جدي طلب مني الذهاب لرؤية والدي فرضخت لرغبته.
كل شيء كما هو في الحي، صبية يلعبون علي الطريق يغطي التراب نصف اقدامهم وجزء من ملابسهم، بقالة مكتظة بالنساء تتوسطهن طفلة تحاول رفع صوتها ليسمعها البائع وسط صخب النساء، باب بيتنا وذات اللون البني المقرف، و.. إبن الجيران يقف خارج منزله ويتحدث بالهاتف. رفع يده محييا وثغره يبتسم بخبث، لم ارد التحية فتحت بابنا وحشرت جسدي قبل ان يفتح جيدا وأعدت إغلاقه. هل ضربات قلبي تسارعت ام هو الهواء يلعب بقميصي، رن هاتفي فكدت اسقط ارضا، رقم لا أعرفه
– مرحبا
-حمدا لله علي سلامتك
ازحت الهاتف من اذني واغلقته، من اين حصل علي رقمي؟ وقف العملاق امامي يقهقه…
(ترن، ترن، ترن، ترن) رسائل واتساب، فتحتها، فيديوهات كثيرة من ذات الرقم، كان يصور ما يفعله بي في صغري وما يأمرني بان افعله له، يا للقرف… القيت الهاتف بعيدا وتحركت قدماي، العملاق يلاحقني.. دلفت إلي المطبخ، مرتب ونظيف كعادته، طقم المطبخ معلق علي الحائط بعناية، اقتلعت من وسطه سكينا أعرفها جيدا؛ لم تكن أمي تستعملها لأنها حادة جدا من الجانبين.
فتحت باب الجيران بضربة واحدة من قدمي، اعرف الطريق الي مكان تواجده أحفظه جيدا، العملاق خلفي يقهقه قائلا “هذه السكين ستشق جسدك انت”، واصلت طريقي والافكار متضاربة في راسي، فتح هو باب غرفته و رأي السكين في يدي قبل ان يري وجهي حينها حدث مالم أتوقع.
خرجت من بيتهم احمله بين يدي والدماء تقطر منهما؛ سكيني مدسوسة داخل يده، بعض النسوة علي الطريق بادرن بالصراخ مثل اخته التي صادفتنا عند الباب، واصلت طريقي، ما إن رأتنا أمي حتي أغمي عليها، وقفت أنا وسط فناء الدار اتنفس هواء الحرية التي أحسها الآن واتذوق طعم الأمان الذي لم أجده في هذا البيت.
إبنة الجيران اتصلت بالشرطة، ماذا أخبرتهم؟؟ هي لم تر كيف سقط اخوها أرضا وأخذ يبكي ويتوسل، كنت متوقعا أن يحاول ضربي أو إقتلاع السكين من يدي، ولكنه خذل تفكيري. أحسست بقوة عارمة تجتاح جسدي وتطرد بقايا الخوف المستوطنة في عقلي وبلا تفكير أمسكت نصل السكين بيدي اليسري وسحبتها باليمني مكررا ذات الامر لليد الاخري؛ يداي الاثنتان تقطران دما، انا لا مكان للالم في جسدي وهو بلل ملابسه أمامي تقدمت نحوه خطوة واحدة أغمي عليه، هي لم تر السكين وقد صارت بيد أخيها ليصبح جاني وليس مجنيا عليه.
إبن الجيران لم يكن سوي حجر علي الطريق تعثرت به من ثقل الحمل علي رأسي فثقل الافكار من أعظم الأعباء. الآن أنا والعملاق وجها لوجه انظر إلي عينيه اللتين كنت أتحاشاهما دائما، إختفت إبتسامته التي لا تفارقه، أخذ يصغر ويصغر حتي صار بحجم القط ثم تبدد .. تبدد العملاق.. الخوف الذي رباه أبي في قلبي، تلاشي الخوف الذي كان يعيش تحت رعاية أمي هكذا مثل الدخان في صمت وهدوء يشبه هدوء المقابر إختفي أمام عيني… الخوف الذي ترعرع معي ونام علي فراشي وقاسمني طفولتي هو الآن طي النسيان.
إنتهت قصتي مع العملاق ولمن يحبون التفاصيل فأنا الآن أواصل دراستي الجامعية وإبن الجيران مسجونا بتهمة الشروع في القتل، وأنشأت مبادرة بعنوان ” إقتلوه قبل أن يصير عملاقا”.

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا