المنديل

بواسطة مجلة السودان
1.5k مشاهدات

انتظر بلهفة يدها التائهة داخل حقيبتها وأخذت عينُه تدور معها من ركن إلي آخر، اقترَبت تبين ملامحها جميلة ولكنه لم يفهم سر الألوان التي تلطخ وجهها.

اقترَبت أكثر، تسارعت دقات قلبه رغما عنه وبدى صدرها الذي تفننت ملابسها في ابرازه مسرعا عن باقي جسدها.

 انتزَع عينيه عن صدرها وعاد مرة أخري إلي تلك الحقيبة، اقتربت أكثر وأكثر و مرت من أمامه تاركةً عطرها الجميل لأنفه، وسواد ملابسها لعينيه وخيبة امل كبيرة لوجهه.

 وانتهي كل شيء، هكذا دائما تنتهي قصصه القصيرة مع الغادين والآتين من الناس.

تابعها وهي تبتعد، يدها مازالت تائهة هناك وذيل تنورتها يمد لسانه ساخرا مع كل خطوة تخطوها، وأخيرا اخرجتها تحمل شيئا أبيض لم يكن سوي منديل.

وماهي إلا ثوانٍ حتي أفلتته، سبح المنديل في الهواء الذي حمله إليه ومرره علي وجهه ثم اودعه احدى فتحات المجاري المنتشرة في السوق العربي.

لماذا لا يرونه؟ من أين يأتون؟ وإلي أين يذهبون؟ أسئلة كثيرة كانت ولا زالت تشغل باله، من أين جاء هو؟ ولماذا؟ ولا تفوح منه مثل روائحهم ومثل رائحة ذلك الشيء الأبيض الذي اصطدم بوجهه؟  المنديل!!! قام كالمصقوع من قطعة الكرتون التي يفترشها وتوجه صوب المجري، وقف علي حافته وعلي سطح المياه ارتسمت صورة لصبي لا يكاد يتعدى الخامسة من عمره يرتدي بقايا ملابس وما عداها أتربة وأوساخ.

 لم يبق من إرث الطفولة سوي بريق البراءة في عينيه وهو يتأمل المنديل النائم في القاع. وقف طويلا ثم جلس، وقفز وانتهي كل شيء.

_ سقط الصغير في المجري

اسكافي تسعيني نطقها، ومرت لحظات حتي يستوعب من حوله الحدث.

بدا للحظة أن الزمن قد توقف، وموازين الطريق قد قلبت فجأة وصار مثل غربالا في يد فلاحة ماهرة تغربل الناس صوب المجري.

وإن كل من عليه هو أب أو أم أو أخ أو أخت لهذا الصغير، كل يحاول المشاركة في اخراجه ولو بمد يده فقط عسي أن تلتقطه الكاميرات التي توثق الحدث.

 وبعض يسب ويلعن الحكومة والمجاري المهملة، بعض آخر أجهش البكاء وكثيرون كثيرون جدا من الرجال والنساء لاذوا بالصمت يسترجعون احداث خطيئة ربما كان الصغير أو مثله نتاجها.

 و أخرِج الصغير جثة هامدة تتهافت عليها الأيادي والكاميرات.

 ووضع علي الأرض كطفل يوضع بين يدي أمه وهل كان له أما سواها؟!

أعطاه بعضهم قبلة للحياة، ولكن أي حياة سيعيدونه له؟ لم يسأل أحدهم نفسه، لو تفتح عينيك الآن أيها الصغير لو تفتحهما فقط لتري حل أحجية شغلت بالك طويلا، متي سيراك الناس؟

الكل ينظر إليك الآن، ليس من علي الطريق فقط بل من في المنازل أيضا، أنظر للصفحة الأولي علي هذه الجريدة صورتك انت!!!

أجل أنت بقدميك الحافيتين تتربع عليها وعنوان عريض بالخط الأحمر ” طفل متشرد يلقي حتفه بأحد المجاري.

ومن يتأمل الصورة جيدا يري بيد الصغير بقايا منديل.

منال جوده

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا