جرائم عبر القرون ج (2 )

بواسطة مأوى عبدالعزيز
نشر اخر تحديث 860 مشاهدات

خراب سوبا (١)
لكي توضح المعالم، لابد من النقر في جذوع التاريخ المهملة؛ ورغم أن المسيحية أول ديانة سماوية دخلت إلى شمال وأواسط السودان لكن هنالك مصادر قليلة تناولت هذه المرحلة التاريخية المهمة.

المسيحية أشعلت نور الحضارة من جديد :-
لاخلاف أن بعد تلك الفترة التي تم التحول فيها من الوثنية إلى المسيحية أننا شهدنا ميلاد حركة جديدة تنهض بقوة جبارة من بين ركام وأنقاض البلاد بعد سقوط مروي وانهيارها وهي تكاد تخبو وتنطفيء، جاءت الممالك المسيحية لتشعل نور الحضارة من جديد لتكوّن حضارة أصيلة تتصف بالعظمة والتألق، وعلى امتداد أكثر من ألف سنة كاملة ظلت الحضارة النوبية تنجز وتشيد وتبتكر، حيث يرجع دخول المسيحية إلى السودان إلى حوالي منتصف القرن السادس الميلادي عندما قامت ثلاث ممالك في شمال ووسط السودان متخذة من المسيحية ديانة رسمية لها وأول تتلك الممالك هي مملكة نوباتيا وعاصمتها فرس ٥٤٣ م وقد امتدت حدودها الجغرافية من الشلال الأول إلى الشلال الثالث . تليها مملكة المقرة ٥٦٩ م في الوسط وعاصمتها دنقلا وامتدت بمحاذاة نهر النيل من الشلال الثالث حتى الخامس أو السادس كما سماها العرب بمنطقة الأبواب وسيطرت على طرق التجارة والمناجم والواحات غرباً وشرقاً، وأما المملكة الثالثة التي ظهرت في أقصى الجنوب هي مملكة علوة ٥٨٠ م وعاصمتها سوبا “بالقرب من الخرطوم”. ولكل مملكة مزاياها الخاصة وطابعها الفريد؛ أما في الحديث عن كيفية اعتناق هذه الممالك المسيحية دينا لها وعلى أي مذهب كانت يتوجب علينا ذكر الأسقف يوليانوس فهو أول من حدثته نفسه بالذهاب إلى ممالك النوبة للتنصير حين ذهب إلى الإمبواطورة الرومية (ثيودورا) زوجة الإمبراطور الرومي جستنيان في القسطنطينية؛ و أخبرها أنه يود أن يدخل النوبة إلى الدين النصراني.
كانت ثيودورا أسرع من زوجها في تمهيد الطريق ليوليانوس لكي يذهب إلى مصر، فقدم له حاكمها الروماني العون امتثالاً لأمر ثيودورا، وأسرع في إرسال بعثته إلى النوبة. ووصل الأسقف إلى بلاط ملك نوباتيا في حوالي سنة ٥٤٣، وهناك إلتقى بالملك النوبي وأسرته محدثًا إياهم عن النصرانية على مذهب اليعاقبة. ووجد تنصيره أذنًا صاغية لدى الملك النوباتي الذي قبل أن يُعمّد هو وأسرته. وهكذا دخل هذا الجزء من بلاد النوبة في النصرانية.واستطاع المنصِّرون اليعاقبة أن يشدوا الرحال إلى سوبا عاصمة مملكة علوة، ونجحوا في الوصول إلى هناك باتفاق بين ملك البجة وملك نوباتيا، واستقبلهم الملك النوبي وأهل بيته، وقبلوا اعتناق النصرانية على مذهب اليعاقبة أسوة بمملكة نوباتيا. أما المملكة النوبية الثالثة وهي مملكة المقرة وعاصمتها دنقلا فإنها تنصرت على المذهب المغاير وهو الملكاني، وهو شيء محير، ذلك لأن هذه المملكة كانت واقعة بين المملكتين اليعقوبيتين، إحداهما شمالها وهي نوباتيا، والأخرى جنوبها وهي سوبا.

ملامح عامة من حضارة النوبة المسيحية :-
كان السودان في تلك الفترة يحكم على أساس إقليمي، إذ لم تكن القبيلة بمدلولها الحالي لها وجود قبل دخول العرب لتلك المنطقة مع وجود السلطة المركزية وعلى رأسها الملك يحكم، وأما الأقاليم  يحكمها ملوك صغار يدينون للملك الكبير بالولاء والطاعة.. دعونا نستوقف قليلاً في هذه السطور حيث لك أن تتخيل عزيزي القاريء عن مدى التطور الحضاري والثقافي والسياسي للسودان في تلك الفترة لتسشعر عظمة التاريخ . من جانب آخر فقد أخلص النوبيين في المسيحية حيث كان لديهم المدائح والأناشيد والألحان النقية الشجية، وكانوا ينشدونها في القدس (الحج) وكان جميع العالم في ذلك الوقت يبتهج لزيارة النوبيين وسماع أناشيدهم ومدائحهم.

المسلمون والنوبة ومعاهدة البقط:-
لما انتقل الإسلام من مكة إلى المدينة وأصبح دولة، قام عمر بن الخطاب في خلافته بإرسال عمرو بن العاص لفتح مصر، وثم بعد ذلك طرق العرب المسلمون أبواب مملكة المقرة النوبية لأول مرة في إمارة عمرو بن العاص الأولى وذلك سنة ٢٠ هجرية ، ٦٤٠ م، عندما أرسل إليهم عقبة بن نافع الفهري لفتح البلاد ونشر الدعوة الإسلامية، وبعد فترة بعد وفاة الخليفة عمر بن الخطاب تولى الخلافة عثمان بن عفان والذي بدوره عين عبد الله بن سعد بن أبي السرح أميرًا على مصر، أعدّ هذا الأمير جيشًا لغزو النوبة عام ٣١ هجرية ، ٦٥١ م. وخرج عبد الله بجيش قوامه نحو ٥٠٠٠ مقاتل، ودخل أراضي المقرة حتى وصل إلى عاصمتها دنقلا التي قاومته بشدة، فحاصرها، وضربها بالمنجنيق. وسُميت تلك المعركة بمعركة رماة الحدق. ولما لم تكن المعركة معركة فاصلة فقد اتفق الجانبان على إحلال السلم بينهما بشروط من أهمها: إنهاء الحصار ووقف القتال. وألا يمنعوا المسلمين من الصلاة في مسجد دنقلا، كما يجب على النوبيين أن يعملوا على نظافة المسجد هناك وإضاءته، وعدم الإعتداء على المسلمين الذين يصلّون فيه، وفي نظير ذلك تعهد المسلمون بتقديم بعض الأقمشة للنوبة، كما وافقوا على إعطائهم ١٣٠٠ أردب من القمح، ومثلها من الشعير، وجوادين، وفتح أبواب التجارة والعبور بينهما. وسُميت هذه الإتفاقية في الكتب العربية البقط.

كان هذا الجزء مجرد تمهيد وتوطئة لعنوان الحلقة (خراب سوبا) حيث أننا لم نتوغل في لب الموضوع بعد.. توالي الهجرات العربية وما هو الأثر الذي تركته في تلك المنطقة؟ وماهو ذلك التحالف الذي يسمى بتحالف(الفونج والعبدلاب) الذي أسقط أخر مملكة مسيحية بخرابٍ صار مضرباً للأمثال؟! هذا ما سنعرفه في الجزء القادم.

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا