جرائم عبر القرون ج (4)

بواسطة مأوى عبدالعزيز
نشر اخر تحديث 727 مشاهدات

دموية الاستعمار(1)

عاش السودان في حقبتين استعماريتين ذاق فيها أهل البلاد أشد أنواع الظلم ، في فترات من الزمان اتصفت بكثير من الفظائع والجرائم ، فلا خلاف أن وحشية الاستعمار جثمت على صدور السودانيين وأثقلتها، وبيد أن الإحتلال التركي والاستعمار البريطاني كلٌ على حدا كان يعمل بسياسات بغيضة تجردت من معاني الرأفة والرحمة.. وعلى سبيل المثال أن في العهد العثماني مورست فيه كل أنواع التعذيب لكل من لم يرضخ  وينصاع لأوامر الحاكم ؛ والجدير بالذكر أن هذا المحتل كانت أهدافه جلية هي نهب الموارد والاستفادة من خيرات البلاد عنوة وقوة، ومن جانب آخر إذا نظرنا إلى الحقبة الاستعمارية الثانية (البريطانية) نجد أنها عملت على إعادة تشكيل المنظومة الثقافية والتي تعتبر من أخطر وسائل الاستعمار، علاوة على ذلك سنتطرق إلى الجرائم في كلا الحقبتين حتى تتضح الرؤى.

دموية الاحتلال التركي :
في مطلع النصف الأول من القرن التاسع عشر غارت جحافل محمد علي باشا على السودان في حملات عسكرية ونظام صارم  يتصف بالشدة ؛ في فترة لم يألفها السودانيين من قبل.. حيث تعددت للباشا أسباب فتح السودان مابين خوفه على عودة المماليك لمصر بعد أن فرّوا جنوبا لذا لابد من تأمين حدود مصر وضم السودان ليكون تحت جناحيه، وما بين حوجته لجيش يحارب في معاركه ولاسيما أن السودان اشتهر بالرجال الأقوياء، ومابين حوجته الماسة للذهب والمال والخيرات المادية لسد النقص في خزيته، وعلى كل اتحدت هذه الأسباب لتحدث عقل الباشا الطامع لضم السودان ما يهمنا في الأمر هو ما الذي حدث بعد دخول هؤلاء الغزاة إلى البلاد؟ وما هي الجرائم الشنيعة التي ارتكبها طيلة فترة مكوثه؟ فمساوئ الاستعمار لايمكن حصرها ولكن سنأخذ بعض اللمحات البارزة والسريعة إبان تلك الفترة.

محمد علي باشا

أول من جلب الإعدام بالخازوق :
لقد كان العقاب السائد في العهد التركي في السودان هو الإعدام بالخازوق لكل من لم يرضخ وينصاع لأوامر الحاكم وفي الحديث عن “ماهو الخازوق” نجد أنه أقسى ما عرفته البشرية من أنواع العقاب حيث يتم إختراق أو إدخال عصا أو حديدة مدببة وحادة في جسد الضحية من ناحية وإخراجها من ناحية أخرى، وقد يتم إدخال هذه العصا من فم الضحية أحيانا لكن الغالب يتم إدخالها من فتحة الشرج ليس هذا فحسب بل يتم تثبيت الخازوق في الأرض ويترك الضحية معلقاً حتى الموت والشئ الذي يلفت الإنتباه في هذه الوسيلة أن الخازوق يدخل بطريقة احترافية تمنع الموت الفوري حتى تطول معاناة الضحية لفترة قد تمتد لأيام وعلى سبيل المثال من الذين تم إعدامهم بالخازوق الذين تمردوا بمنطقة سنار حيث تعاونوا مع الأحباش بقيادة عدلان للتصدي للغزاة.

مجازر الدفتردار الوحشية :
في عام ١٨٢٢م باغتيال ابن الباشا الشاب الذي يتصف بالغرور (إسماعيل بن محمد علي ) والذي لم يتجاوز عمره الثلاثون عاماً وحرقه كما دونته الروايات الرسمية على أيدي المك نمر في شندي، شكل ذلك الحدث الطامة الكبرى على تلك المنطقة.

فيما أعقبته سلسلة من المجازر التي لا حصر لها تحت مسمى حملات الدفتردار الانتقامية ، حين توعد صهر الباشا بحملة انتقام هائلة للسودانيين حيث ذكر المؤرخون أنه سار نحو المتمة وقام فيها مجازر عظيمة قُدِّر القتلى فيها بخمسة آلاف.. ثم اتجه شمالا إلى بربر وأما الجعليين أتباع نمر ومساعد فقتل منهم ألف وبعضهم أُغرقوا في النيل وفي خلال ذلك تجمع بعض الثوار بالجزيرة في قرية عبود بقيادة الأرباب دفع الله  وحسن ود رجب، ولكن تم القضاء على ثورتهم. ومن ناحية أخرى فقد ذكرت بعض المصادر أن الدفتردار قد أباد سبعة ألف من الحسانية العزل بمنطقة الدويم وكما أباد أكثر من ألفين مدني في جزيرة توتي ومنطقة بري المحس وعلاوة ذلك أن عدد السبايا من النساء الذين أرسلهم إلى مصر بلغ سبعة ألف مما أثار الرأي العام الأوربي فأرجعهم محمد علي باشا إلى البلاد .
استفهامات وتساؤلات :
تلاحظ من السرد أعلاه عزيزي القاريء أن حملات الدفتردار الانتقامية قد تجاوزت أراضي ليس لها أي صلة أو علاقة بمقتل ابن الباشا، أي ما هو ذنب تلك المناطق أو القبائل حتى تباد وتسحق بالكامل؟ فهل مجرد الحنقة والغضب لمقتل إسماعيل قد يبرر هذه الشنائع؟ فلعل سياسة الأتراك العسكرية العنيفة قضت بأيلولة تصفية الوجود السكاني الأصيل من تلك المناطق وتفريغ المناطق من قاطينها حتى يحدث خلل سكاني له قابلية الإنفجار في أي لحظة وهذا أسلوب موجود لدى بعض الأنظمة العسكرية.

طُرق الأتراك في الإعدام والانتقام :
مع انجراف سيل الحملات الانتقامية تم هدم الكثير من المباني والمعالم الموجودة آنذاك ؛ على سبيل المثال نذكر مسجد الفكي أرباب العقائد الذي كان قائما في الخرطوم وقبة الشيخ خوجلي أيضاً، ولكن لم يكتفي الدفتردار بذلك بل عمل إعدام أحد أحفاد الفكي أرباب العقائد بطريقة شنيعة بالغة الوحشية حين ربطه في فوهة مدفع وأطلقه في الهواء.
إضاءات على الهامش :
خلاصة الحكاية أنه عندما جاء الأتراك بسياستهم العسكرية الباطشة إلى البلاد لمطاردة المماليك، أو دعونا نقول قد جاءوا متلهثين بأعطماعهم لنهب خيرات البلاد فقد وجدوا الحال في السودان يؤول لدويلات متناحرة في بعضها البعض، تسودها المشاكل والصراعات القبلية والتنافس على كرسي الحكم.. فأضحت الشيخوخة تسري في أوصال البلاد فأبرز المظاهر في تلك الفترة هو فقدان الشعور بالقومية السودانية فقدانا تاماً فلا يوجد جيش وطني ولا خزينة موحدة للدولة حيث فقد المواطنون مسؤوليتهم ناحية البلاد الأمر الذي سهل عملية الغزاة لفتح البلاد ومجيئهم بقسوة يعلوها بطش، وإذلال بتسلط محاط بسور العنف.

ربما يعجبك أيضا

1 تعليق

يوسف عبداللّه صالح 2021-08-06 - 11:37 صباحًا

أبدعتي في سرد الحقائق يا مأوى.. مقال موفق جداً ♥

Reply

اترك تعليقا