الرئيسية تاريخ وسياحةعادات وتقاليد ظاهرة الزار في السودان

ظاهرة الزار في السودان

بواسطة زهراء جبريل حلو
نشر اخر تحديث 292 مشاهدات

ظاهرة الزار، أو الريح الأحمر من العادات الشعبية  التي ترسخت في مجتمعنا منذ القدم، بل وجدت رواجاً كبيراً وسط المجتمع السوداني بكافة طبقاته.

كما أن ظاهرة الزار موجودة في دول كثيرة أسيوية، و إفريقية، وعربية، وفي دول مجاورة للسودان حتى الآن، غير أن المثير للجدل هو مرونة السلوك لهذه الظاهرة، وقدرتها على البقاء والإستمرارية وجذب أتباع جدد على الدوام مما أدي إلى انتشارها وفي مناطق بعيدة، وغير متوقعة.
أغلب الدراسات التاريخية تعتمد أن كلمة زار في اللغة الأمهرية تعني الأرواح، وأنها مشتقة من كلمة(جار) إله السماء في الديانة الوثنية في الحضارة الكوشية بأثيوبيا. بعد ذلك قام المسيحيين الأثيوبيين بتحريف الكلمة ليُصبح معناها الروح الشريرة .

إن ظاهرة الزار ليست بسودانية الأصل، كما توجد العديد من النظريات حول نشأتها، فهناك بعض الباحثين يزعمون أنها عادة فرعونية، وبعضهم من يزعم أنها عادة إثيوبية الأصل نظراً لوجود كلمة زار في اللغة الأمهرية، لكن الرأي الراجح أن هذه العادة نشأت في المناطق المتاخمة علي ساحل البحر الأحمر :الحبشة ،الصومال،اليمن،الحجاز.  وقد تطرق أغلب الرحالة الأجانب الذين زاروا هذه المناطق لظاهرة الزار في كتاباتهم. أول ظهور لهذة الظاهرة في السودان كان في عهد مملكة الفونج، لكنها انتشرت بكثرة في فترة الحكم التركي، ويرجع السبب في ذلك إلى أن إبنة أحد الباشوات أصُيبت بمرض إستعصى على الأطباء علاجه، لكنها تعالجت عن طريق الزار. مما جعلها تُعلي من مقام صاحبات الزار، وتهب عليهن الأموال ، الأمر الذي أدى إلى انتشار ظاهرة الزار في كل مدن السودان الكبيرة.

وما يؤكد ذلك ذكر فاطمة التركية في أغاني الزار كواحدة من شيخات الزار الأوائل في السودان. وقد ذكر المؤرخ نعوم شقير في كتاب جغرافية وتاريخ السودان قائلا(( أن من معتقداتهم الزار وضرب الودع والسحر و…الخ)). كما ذكر أن الزار دخل إلى السودان من مصر، وكثر العمل به في بلاد بربر و سواكن والخرطوم. ويقول الأستاذ محمد المهدي بشرى أن هذة الظاهرة إختفت في عهد المهدية نسبة للمرجعية الإسلامية، وعادت من جديد في عهد الإنجليز بصورة أكبر. أما مع مجئ ثورة الإنقاذ تقلصت ظاهرة الزار بعد تحريمها، وسن قوانين تلاحق من يُمارسونها فأصبحت تُمارس بصورة سرية وفي نطاق محدود.
الزار هو :
ظاهرة إجتماعية ناتجة عن اعتقاد نفسي كامل بوجود قوة خفية من أرواح الأسلاف والأسياد بخلاف الجن والشياطين تحل في شخص معين، وتصبح شخصيته مطابقة للروح التي حلت فيه ، وعندئذ يتحدث بلسان تلك الروح، وتصبح كل تصرفاته وسلوكه هي بالفعل تصرفات وسلوك تلك الروح التي حلت فيه
. وأيضا بمجرد ان تحل تلك الروح في شخص معين تعلن أنها تريد بعض المطالب لكي يشفى هذا الشخص من حالة مرضية شبيه بالأمراض الهستيرية . وأن  الغريب في اعتقاد الزار أن مطالب هذه الروح يجب تلبيتها، وإلا أزعجت الشخص الذي حلت فيه فيُصبح مضطرباً نفسياً ، ويطلق على هذ الشخص مريض زار أو (مدستر) .لكن الأكثر غرابة واثارة للجدل هو استمراية هذه الأرواح  وعدم مفارقتها للشخص المريض حتى بعد إجابة طلباتها وتنفذها، وإن مايحدث هو عودة المريض لحالته العادية لفترة ثم تعاوده من جديد نفس الأعراض ،ويتكرر الإعتقاد بضرورة عمل زار للتخفيف من حدة تلك الحالة. رغم كل هذا الإزعاج المتكرر خاصة في الطلبات إلا أن هناك من إتجه للزار من باب الفضول والمعرفة عنه أكثر بسبب غموضه، وهناك من إتجه إليه من باب المغامرة وخوض التجربة، وبعضهم من أصحاب النفوس الضعيفة  يرون فيه ملاذهم وخلاصهم من الأمراض.وبعض النساء لكي تحصل على الدعم المادي من زوجها تطرق باب هذه العادة مثلما ذكرت الباحثة الإجتماعية سامية النقر ((أن للزار دوراً اجتماعياً حيث من خلاله تمارس المرأة أشياء تستطيع بها الحصول علي دعم مادي و نفسي من زوجها)).بينما يرى طبيب علم النفس التجاني الماحي أن الزار يعالج المرأة الشرقية من الأمراض النفسية التي تعاني منها.أما رأي الشرع في عادة الزار فهو دجل المشعوذين الذين يوحون إلى ضعاف العقول بأنهم مصابون  بمس من الجن أو قوة خفية، وأنهم لديهم القدرة في علاجهم من هذا المرض بإقامة الحفلات الساخرة المشتملة علي الغناء، والرقص، واستخدام الكلمات الغير مفهومة، وبذلك فالزار أمر منكر، وبدعة سيئة لايقرها الدين.

أهم شخصية في طقوس الزار هي شيخة الزار، ويجب أن تتصف شخصيتها بالقوة، والإستقلالية، والقدرة علي الإقناع. كما يجب أن تكون مطلقة أو أرملة ليس لديها أطفال، وليس لها رغبة في الرجال. تحصل شيخة الزار على هذا المنصب بعد فترة طويلة كمساعدة لشيخة زار أخرى . أيضاً لابد أن تكون الشيخة قد أُصُيبت بالزار مسبقاً أو أقامت حفل زار وفاءً للزار لأنه منحها حياة جديدة بعد أن كادت تفقد عقلها بإصابة الزار.أما دور شيخة الزار فهي التي تقوم بالإشراف الكامل على حفلات الزار بدءاً بتشخيص المريضة، ومعالجتها لأنها هي التي تقوم بدور الوسيط بين الأرواح والمرض.ومن أشهر شيخات الزار في السودان نجاة الجريف.
ينقسم الزار إلى عدة اقسام نذكر منها : زار الدراويش، والستات، والباشا، والخواجة، والحبش. لكل قسم من هذة الأقسام نوع من الخيوط خاص بها، ويميزها عن غيرها. والخيط المقصود به هنا أغنية الزار أو دعوة الروح الخاصة بالزار. ولكل مريض بالزار خيط خاص به. تبدأ طقوس الزار بيوم الأربعاء عادة، وتستمر لمدة إسبوع مع إستمرار الأغاني، والرقص كما يتم عمل كرامة يُدعى فيها الجيران، والأهل، والمصابين بالزار.غالبا ماتُقام طقوس الزار في بيت المريضة .

في الأخر نجد أن ظاهرة الزار من الموروثات الثقافية المرتبطة بالطب الشعبي؛ لكنها لم تجد الدراسات الرصينة التي يمكن من خلالها أن تتحول من ظاهرة إجتماعية إلى ظاهرة علمية وأن الغموض في هذه الظاهرة أدى إلى طرح العديد من التفسيرات حولها وإثارة الجدل بين العلماء خاصة علماء النفس، وعلماء الأنثربولوجيا.

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا