الرئيسية الأدبقصص قصيرة عندما التقيت بذاتي المفقودة (٢)

عندما التقيت بذاتي المفقودة (٢)

بواسطة سلسبيل السيد
نشر اخر تحديث 613 مشاهدات

حاولت أن أتجاهلها
ولكنني عجزت ..
صمت ُّقليلاً
لاحظ سامي ذلك،
قال بمكر : هل أعجبتك؟
صمتُّ… كان الأمر في داخلي أكبر من مجاراة سامي في مكايداته..
تناولت كوب ماء، وابتسمت لسامي ..محاولاً العودة لنقطة حديثنا ولكنني عجزت ..
كان حديثي مشتتاً ..
كأنما دخلت تلك الفتاة بعصا سحرية أفقدتني القدرة على الكلام ..
لم تكن جميلة فحسب ..
وإنما كانت تحيط بها هالة من القدسية والجلال ..
دخلت ..وبيدها كتابين ..أخذتِ القهوة وخرجت ..
خرجت وكان يتبعها
الهواء
والغيوم
والأغاني
وقلبي ..

شيء ما لم يعد كما هو ..
لأول مرة في تلك اللحظة أسال نفسي ..
هل يمكن يا هشام أن يكون لك ضوء أمل في نهاية هذا النفق؟

لأول مرة منذ ست وثلاثون عاماً من الظلام الدامس
والقهر، والأسى .. تعلقت بأمل الخلاص.

ودعت سامي ، وخرجت هائماً على وجهي ..لم ارَ في طريقي سوى وجهها..
نسيت العمل الذي يجب أن يتم ..
نسيت نقيصتي التي اجتهدت طيلة سنوات عمري أن أخفيها..

مرت ليالي الشتاء القاسية، وانا لازلت معلقاً بذات المشهد ..
كانت بضع دقائق ولكنها الأهم في عمري كله..

نعم تجرأت وهاتفت سامي ..
أخبرته بما يختلج صدري..
أخبرته بتلك الحروب الضروس التي سلبت عقلي
وروحي ..
اخبرته بأنك يا سامي إن أتيت لزيارتي سيصعب عليك التفريق بيني وبين النيران المضرمة أمامي ..
شيء كهذا يا سامي، ما الحل؟
ضحك سامي كثيراً ، متباهيًا بنفسه أن صَدَقتْ نبوءته التي كنت أُنْكِرُها مراراً ..
كان يقول ستقع يوماً في حب فتاة ما، وستحترق بعنف ..
كنت أود في داخلي ان تتحقق نبوءة سامي ولكن كنت أعلم أنني لم أُخلق لهكذا أشياء، قتلت مشاعري وأحاسيسي قديماً، قبل أن تولد حتى فكيف لقلبي أن ينبض؟

تغاضيت عن مزاح سامي ..
وسألته بيأس: ماذا أفعل؟
قال لي : تحيّن فرص لقائها ..ازرع نفسك في أي موطن قد تجده فيها ..
وألقِ بنفسك أمامها كشخص معذب وكتم ضحكته بصعوبة ثم أكمل ..ثم أخبرها يا اخي ..
لا أجد لك حل سوى أن تفشي بما في سريرتك ..

.
.
.

في اليوم التالي سمعت نصيحة سامي ..
توجهت لذات المقهى ..
ولكن لم تأتي..
خرجت جارًّا أذيال الخيبة،
ولكن يبدو بأن القدر أراد ان يلعب لعبته
في اللحظة التي هممت فيها بالخروج ..
هي دخلت ..
بعدها تراجعتُ ..
كان واضحاً الأمر ..
ولكني لم أهتم ..
جلستْ في الطاولة التي تقابلني أخرجتْ ورقة وقلم ..
وطلبت قهوتها ..
وجلست تكتب
وفي رأيي كانت تُزهِر ..لا تكتب ..
رأيتها كأكثر الاشياء كمالاً في حياتي ..

بصراحة لم تتملكني أي شجاعة لكي أفضي لها مافي داخلي ..
ولكنني ظللت أراقبها ..تكتب وتمسح وتضع علامات في كراسة كبيرة..
حاولت تخمين مهنتها..
وبعد ساعات -كانت دقائق بطبيعة الحال بالنسبة لي- لملمت اغراضها ..وخرجت.
خرجتُ خلفها ..
لا اعرف ما الذي سأفعله..
ليس لدي أي فكرة عما سأقوم به..
تذكرت جملة سامي “لا أجد لك حل سوى هذا”
يا للهول ..
ما الذي أفعله!
انا بالفعل أتقدم نحوها ..

التفتت عندما أحسّت بي
عقدت جبينها، متسائلة: …؟؟
تمتمت ..همهمت .. انقطعت أنفاسي ..وتحدثت عيناي كثيراً
ولكنها لم تفهم.
قالت بصوت واضح: ماذا تريد؟
صمتُّ وقلت ببلاهة: انتي المعلمة ميسون؟
قالت : لا انا ..المعلمة ريم ..
صمتُّ بيأس ..مطيلاً الزمن لأنني أعرف أن هذا الحديث يجب أن ينتهي عند هذا الحد..
ولكن سرعان ما استطعت أن أتمالك نفسي وقلت لها: تعملين في مدرسة النجاح؟
قالت برقة ويبدو أن الضجر بدا عليها : لا، أعمل في مدرسة الأيتام..
ثم حملت حقيبتها ..واعتذرت مني وذهبت..
ذهبت..
نعم
ولكنني اليوم اعرف أنها ريم معلمة الأيتام
يالها من معلومات غنية ..
يا لها من ثروة اكتسبتها اليوم.!!

مرت الايام ، وفي كل يوم اقفز في وجه المعلمة ريم ..
تجرأت ودعوتها على كوب قهوة ..
وقتها تزامن موعدي الأول معها مع موسم الأعياد ..
وحدها هي كانت العيد لقلبي ..

لاول مرة فكرت ان أصلي لله الذي لم أعرفه يوماً ..صليت لكي يسير الأمر على ما يرام.
لاول مرة وانا في الطريق ألحظ أن هناك ورد ياسيمن..لاول مرة شممت ريحه، قطفته
كنت اود أن اقطف لها العالم كله ،أن أخطف النجوم اللامعة لأصنع لها منها عقدًا تزيّن به جيدها..

ريم ، ريم ، ريم
الاسم الأجمل والأكمل..
حبل نجاتي من سوء وقسوة هذا العالم ..

التقينا ، تحدثنا
قلت لها ما يجيش في داخلي..
ابتسمت…بحذر
ثم قالت لي
هناك شيء يجب ان تعرفه عني قبل كل شيء..

سألتها بقلق : مـا هو؟
قالت : انا ريم، معلمة ..
لا أعرف شيئًا عن نفسي سوى هاتين الصفتين.
أختنق داخلي..
الكابوس يعود مرة
اخرى ..
ريم ليست الكمال
ريم هي النقيصة ذاتها ..

غادرت الطاولة
وهربت..
هربت.
تاركاً لعنة هويتي المفقودة
تنتصر عليّ مجدداً.

 

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا