الرئيسية تاريخ وسياحةتاريخ السودان عهد التركية في السودان (الحكم العثماني) ج”17″

عهد التركية في السودان (الحكم العثماني) ج”17″

بواسطة مأوى عبدالعزيز
نشر اخر تحديث 84 مشاهدات
شارك اصدقائك
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

صفحات من تاريخ المهدية
7
ها نحن اليوم نكون قد وصلنا لنهاية سلسلة عهد التركية في السودان، بهذا الجزء الخاتم والأخير ومواصلة لما سرد في الجزء السابق عن استعدادات الغزاة لإخلاء الخرطوم، وفي نفس الوقت يستعد المهدي وجيشه لفتح الخرطوم حاضرة الحكمدارية لنتابع..

ملامح من حصار الخرطوم :-
ظلت القبائل المجاورة للعاصمة هادئة، حتى توالت هزائم الحكومة فثارت بقيادة الشيخ العبيد ود بدر، وأخذت تتجمع حول الخرطوم وخاصة من ناحية الجنوب والشرق، وبعث غردون قوة لإبعاد الثوار من الحلفايا فهزمت، وفي يوم ١٢ مارس حطم الثوار خط التلغراف بين بربر والخرطوم، فانعزلت العاصمة عن العالم الخارجي، وأما في يوم ٢٢ مارس جاء رد المهدي على خطاب غردون يقول فيه أنه لا يطمع في ملك، وإنما يدعو إلى إصلاح الأمة الإسلامية ولن يتنازل عن دعوته ويطلب من غردون التسليم.
وهكذا خاب أمل غردون في إمكان سحب الحاميات، وأيقن أن المهدي قادم لحصار الخرطوم لا محالة. وأخذ يقوي التحصينات التي أنشأها عبدالقادر باشا حلمي عام ١٨٨٢، وهي عبارة عن خندق يربط النيلين وأربع طابيات في أمدرمان والمقرن وبري وقبة خوجلي، ووزع الجند عليها.

وفي هذه الأثناء ضيق الثوار الخناق على الخرطوم على إثر وصول الأمير أبي قرجة إلى الجريف الغربية، وفي يوم ٢٦ مايو سلمت بربر للشيخ محمد الخير، وتم عزل البلاد عن العالم الخارجي وبعد ذلك وفي شهر يونيو قدم الأمير ود النجومي فعسكر بجيشه في الكلاكلة جنوبي الخرطوم وقد جعله المهدي أميراً على حصار العاصمة، وكان قد مر بالجزيرة وأسقط حامية فداسي.

الأمير عبدالرحمن النجومي


في ظل هذه الأوضاع العصيبة لم يفقد غردون الأمل في وصول جيش بريطاني لإنقاذه وإنقاذ سكان الخرطوم، فراح يجول حول الناس لرفع روحهم المعنوية وأرسل البواخر إلى الجزيرة، فعادت بالغلال كما استخدمها في صد المحاصرين، كل هذا ولم يهدأ غردون بعد حاول جاهداً بشتى الطرق أن يتخلص من هذا الحصار، فعمل على إرسال كتائب أوقعت بالأمير قرجة وهزمته في الجريف في يوم ١٢ أغسطس وأخرى طردت الثوار من حول قبة خوجلي. ويتضح لنا جلياً أن هذه الانتصارات بعث الأمل في نفس غردون مما جعله يرفض التسليم لود النجومي.
غردون يستنجد بالسير بيرنج :-
لم يكن بوسع غردون الصمود أمام هذا الحصار من غير إعانات أو أي دعم خارجي يصله، وعلى إثر تضييق الأنصار عليه، وفي خضم هذه الأوضاع التي استمرت لعدة أشهر قام غردون بإرسال المقدم ستيوارت إلى مصر في إحدى البواخر ليبلغ السير بيرنج بحقيقة الوضع ولكنها تحطمت في أرض المناصير وقتل ستيوارت ومن معه وأرسلت الوثائق التي كانت معهم إلى المهدي فعلم منها إحتمال وصول حملة إنقاذ لغردون والخرطوم فعزم على القدوم إليها. وإسقاطها قبل وصول النجدة.
حملة الإنقاذ وسقوط الخرطوم :-
بناءً على تصاعد الأحداث بهذه الوتيرة، بدأت دعوة من بريطانيا للمطالبة بإنقاذ غردون المحاصر في الخرطوم وانقسم الرأي العام البريطاني في ذلك الوقت إلى قسمين بعض الأصوات كانت ترى بأن غردون خالف التعليمات التي أسندت إليه ولذلك يجب أن يترك لمصيره، وهنالك رأي آخر كان يرى أن غردون ابن من أبناء الإمبراطورية ويجب أن ينقذ وبعد مساجلات ومناقشات داخل مجلس العموم البريطاني تقرر إرسال حملة عسكرية لإنقاذه وهذه المساجلات أخذت وقتاً طويلاً وكان قائد هذه الحملة هو اللورد ولسلي.

اللورد ولسلي


وعندما أرسلت الحملة عن طريق مصر بشمال السودان وكانت حملة ضخمة تقدر بحوالي ١٠ آلاف جندي مزودين بكامل عتادهم ومزودين بقوارب على النيل، وكانت تشرف عليها الملكة فكتوريا. وأما من جانب المهدي فقد غادر الأبيض متجهاً نحو الخرطوم في أغسطس على رأس ستين ألف من الثوار وعسكر في ديم أبي سعد ثم أرسل جيشاً لتعطيل حملة الإنقاذ بقيادة الأمير موسى الحلو وقد احتل الجيش آبار أبي طليح ليمنع جيش العدو الماء، فيما حدثت بينهم مناوشات واحتكاكات عديدة. ورغم ذلك لم تتوقف الحملة عن سيرها نحو الخرطوم لإنقاذ غردون وتحريره من الحصار.
ولما علم المهدي بأنباء الحملة وتقدمها نحو الخرطوم، صمم على فتحها قبل وصولها، فأصدر أمره بالهجوم في صباح يوم ٢٦ يناير.. فتدفق الثوار فيها تدفق السيول يملئون شوارعها وأزقتها، ولم يرتفع الضحى حتى سقطت الخرطوم في أيديهم وقتل غردون وأنزل العلم التركي من على القصر. وبعد يومين من تحرير الخرطوم وصلت حملة الإنقاذ ولكن بعد فوات الأوان وحينها قفلت راجعة شمالاً من حيث أتت.

خلاصة التركية وصفحات من تاريخ المهدية :-
في هذه السلسلة والتي استمر تسلسلها الزمني للأحداث لأكثر من ٦٠ عاما، استطعنا تسليط الضوء على عهد التركية من تاريخ السودان بجدارة؛ فستدرك عزيزي القارئ أن أول عشرة أجزاء من هذه السلسلة منذ عام ١٨٢١ إلى عام ١٨٨١ تطرقنا بالتفصيل إلى أسس الحكم التركي في السودان وما أحدثه من تغيير على أوجه الحياة السودانية من جميع النواحي، فسياسة الأتراك العسكرية العنيفة كانت بمثابة فترة دخيلة لم يألفها السودانيين من قبل، وانتشار بعض الظواهر السلبية كالرشوة والإختلاس لأول مرة بيد أن الإستعمار التركي كان هدفه واضحاً وجلياً.. ألا وهو نهب وسلب خيرات البلاد عنوة وقوة، فكل حاكم أو حكمدار كان يحكم لم يكن يعنيه تنظيم وإدارة البلاد أكثر من أن يأخذ ما بوسعه من خيرات وأطماع، حتى أنهم فشلوا في إدارة هذا البلد المترامي الأطراف، واتضح لنا فشلهم هذا في تخبطهم وتأرجحهم بين الإدارة المركزية واللامركزية وشيئاً فشيئاً بدأ الحكم العثماني في التدهور والإضمحلال وتدخلت بريطانيا بحكم احتلالها مصر وأصبح زمام الأمر بيدها ، ثم بعد ذلك تنقلنا بين صفحات المهدية تلك الثورة التي هزت العالم وظل العالم حتى اليوم يسمع بها ويعرفها ويقرنها بالسودان، ومازالت جامعات العالم حتى الآن تحوي بحوثاً عن المهدية وتدرسها، ويسعى كثير من طلاب العلم والباحثين للتعرف على المهدية ودراستها باعتبار أنها فكر مثّل مرحلة مهمة في تاريخ السودان و الشرق، وأن هذه الثورة الدينية ذات المضمون السياسي استطاعت وبجدارة سحق العدو، وفي معارك عديدة فنيران الغضب الملتهبة إلتهمت المستعمر فتحول إلى رماد كأنه شيئاً لم يكن،  فأربعة أعوام من نضال أبناء الوطن انتهت بسقوط الخرطوم وقتل غردون ذلك الجنرال الذي لم يعرف في حياته سوى الانتصارات المتتالية، وبهذا انطويت صفحة التركية والأتراك في السودان.

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. أقبل أقرا المزيد...