الرئيسية تاريخ وسياحةتاريخ السودان عهد التركية في السودان (الحكم العثماني) ج”١١”

عهد التركية في السودان (الحكم العثماني) ج”١١”

134 views
شارك اصدقائك
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

صفحات من تاريخ المهدية
                                     (١)
شهدنا طيلة الأجزاء السابقة وتعرفنا جيداً عن طبيعة حال الحكم العثماني في البلاد، وعن ما ذاقه السودانيين منذ بداية دخولهم من وحشية، وظلم، وإرهاب.. وخلال سنوات المعاناة والتي استمرت لمدة ٦٠ عاماً خرج السودانيين بالثورة المهدية كرد فعل يهدف لإقتلاع الغزاة من جذور البلاد، وقبل الغوص في الحكاية والحديث عن الثورة المهدية وزعيمها المهدي لابد أن نتطرق إلى مفهوم الثورة كمفهوم تقليدي وعام ؛ ولاسيما أن الثورة المهدية تصنف كواحدة من أهم الثورات عبر التاريخ. ومما لا شك فيه أنها كانت رداً لمظالم الحكم التركي. وأن الثورات على مر العصور بمختلف أنواعها ومسمياتها عرفت بأنها “قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغير نظام الحكم بالقوة”  فكان لزاماً علينا أن نستوقف لحظة عند مؤسس الثورة المهدية وزعيمها وقائدها محمد أحمد المهدي، كعلم على رأسه نار والذي ولد بجزيرة لبب بجنوب دنقلا عام١٨٤٣ م .

حياة المهدي ونشأته ودورها في الثورة :-
بدأ المهدي في رحلة مبكرة بإظهار سخطه على الأحوال في السودان، من حيث الفساد الحكومي المتفشي في الحكم ، ومظاهر البعد عن الدين والمجاهرة بالمعاصي ولعل نشأته الدينية التي تربى عليها كان لها الأثر في ذلك، وأن تلك النزعة الدينية وحفظه للقرآن في سن مبكرة، وانتمائه للطريقة السمانية، وتفقهه في الدين والعمل على حث الناس على الجهاد، واتباع السنة النبوية هي أهم السمات التي تبلورت حولها الثورة المهدية بكينونة أنها ثورة دينية.

فكرة المهدية ورحلة الثورة من التكليف إلى الدعوة :-
   بالتعقيب على صميم فكرة المهدية من ناحية أنها ثورة دينية خالصة ذات مضمون سياسي، نجد أن المهدي ظهر تأثره بمحي الدين بن عربي ، وأحمد ابن إدريس (علماء صوفيين) وكرر ذكرهم في العديد من منشوراته  فقد تأثر بالصوفية من خلال أخذ البيعة والإيمان بكرامات الأولياء الصالحين. ومن هنا تفجرت فكرة المهدية وأنه هو المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت جوراً وفساداً فيما إدعى الإجتماع مع النبي  يقظة لا مناماً، وكفر معارضيه وجعل الإيمان به من شروط الإسلام، وتلك الفكرة التي ادعاها لم يقرها عديد من علماء عصره.

بدأ المهدي شيئاً فشيئاً يغرس في آذان الناس بذوراً جديدة، وشرع في المكاتبة لرجال الدين من مشايخ الطرق وعلماء الشريعة سراً بمعنى أن تلك الدعوة والكتابات بدايةً كانت تلميحاً لا تصريحاً، وقام قبل ذلك بجولة في مديرية كردفان وجبال النوبة يسر بالدعوة إلى من يثق به، وقد عاهده ملك جبال تقلي الملك آدم أم دبالو، ثم بعد ذلك إلتقى المهدي بعبد الله التعايشي حينما كان يشرف على بناء قبة بضريح أستاذه القرشي، وآمن التعايشي بمهديته ورجع المهدي إلى أبا(ذلك المكان الذي اختلى فيه المهدي فترة من الزمان وذاع صيته فيها كرجل إصلاح وتقوى) ، رويداً رويدا بدأت الدعوة المهدية في الإنتقال من مرحلة السرية إلى المرحلة التي جاهر فيها المهدي بدعوته صراحة حيث بدأ بتحرير الخطابات الصريحة إلى رجال الدين يدعوهم لنصرة الدين والقيام لتأييد المهدية الكبرى التي خصه الله تعالى بها.

أول اصطدام بين المهدي والغزاة :-
   لم يتوقف المهدي عن نشر منشوراته أبدا بل كان ينشرها هنا وهناك، يدعو الناس لموازرته وإعلاء كلمة الدين فما كان من تلك الخطابات إلا أن تسقط في يد الحكمدار محمد رؤوف، ولكنه لم يعرها إهتماماً  في الأول فقد ظن الرجل درويشاً كتب تلك الرسائل في حالة انجذاب، ولكن سرعان ما توالت منشورات المهدي وتجمع الناس حوله فأرسل الحكمدار رؤوف باشا سريتين من العساكر بقيادة القومندان محمد بيك أبو السعود للقبض على المهدي، رست الباخرة ليلا وانطلق العساكر في فوضى لأجل التسابق على اعتقال المهدي طمعاً في ترقية وعدها الحكمدار لأول من يقبض عليه. تسابقوا وفي ظنهم أنهم في طريقهم لإعتقال درويش وحيد مستسلم ولم يعلموا أنه كان في انتظارهم مع أتباع مخلصين عاهدوه على القتال حتى النهاية. انقض أتباع المهدي على الجنود وسط الأوحال والأعشاب الطويلة على الشاطئ، وتمكنوا من القضاء عليهم بسهولة إلا قليلاً منهم عاد للباخرة حاملا أخبار الهزيمة. فيما بعد اعتبرت موقعة الجزيرة أبا في ١٢ أغسطس ١٨٨١ م بداية الثورة المهدية.
لقد كان لعنصر الدين تأثير كبير على إتجاه تحديد الثورة المهدية، وسيرها ونجاحها، فالتف الناس حول قائدها إذ لم يكن الوعي السياسي حين ذلك على درجة تخلق تنظيماً سياسياً ينتظم فيه الناس دون إعتبار للفوارق المحلية والقبلية؛ ولذلك تعد الثورة المهدية خطوة كبيرة في طريق تكوين القومية السودانية.

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. أقبل أقرا المزيد...