الرئيسية تاريخ وسياحةتاريخ السودان مع بوركهارت في بلاد النوبة (ج5)

مع بوركهارت في بلاد النوبة (ج5)

بواسطة حسن المكاشفي
نشر اخر تحديث 1٬923 مشاهدات

ننطلق اليوم من ماريا، إلى قرشه، بعد مسيرة خمس ساعات، حيث توجد خرائب مدينة قديمة، يرجح أنها عربية، بعضها مبني بالآجر، وبعضها مبني بالحجارة الصغيرة، ويروي الأهالي أنه كان يملكها ملك يدعى دبقورا، أما عرض الوادي في قرشه فهو أعرض من أي منطقة مررنا قبلها في جنوبي أسوان، حيث يبلغ عرض الوادي فيها ميلا، إلا أن الملاحظ أنها رغم ذلك قليلة السكان، و هذا أمر غير طبيعي، حيث وجدنا ثلثي المساكن مهجورة.
يرجع سبب قلة السكان و هجر العديد من المساكن إلى سبب رئيسي، وهو أن المماليك خربو هذا الإقليم سلبا ونهبا وبطشا أثناء تقهقرهم الفزع أمام جيوش محمد علي التركية، و التي أبادت العدد الكبير منهم في مصر، ومن نجى منهم هرب نحو بلاد النوبة والسودان مذعورا مع حاشيته و حرسه المسلحون بالأسلحة النارية، فاستخدموها استخداما سيئا سلبا ونهبا على كل ما يقع في طريقهم، وقد تسببوا بهذه الأعمال في إحداث مجاعة رهيبة هلك فيها ثلث سكان النوبة من الفاقة، ولاذ بعض منهم بمصر و أقاموا بالقرى الواقعة بين أسوان و إسنا، حيث صادفهم وباء الجدري هنالك فهلك كثير منهم بسببه، و لم يعد أغلب من وجدناهم إلا قبل رحلتنا إلى هذه الأنحاء ببضعة شهور، فبدأوا يزرعون الأرض عقب انحسار مياه الفيضان، ولكن كثير من بني جلدتهم مازالوا مقيمين بمصر إلى حين تحسن الأحوال، و لعل وفرة القبور الجديدة التي رأيناها على مقربة من قرى الإقليم أصدق دليل على صحة الروايات المفجعة التي قصها علينا الأهالي.

صورة تعبيرية عن الخراب الذي لحق ببلاد النوبة من قبل المماليك

و بعد مسيرة ست ساعات من قرشه، وصلنا الآن إلى وادي كشتمنة، وهي قرية جيدة المباني، و فيها اشتبك بقية من المماليك الفارين مع قوات إبراهيم بك في معركة انتهت باندحارهم مرة أخرى، فتقهقروا للجبال الشرقية و اعتصموا فيها شهورًا إلى أن رجع أعدائهم إلى اسوان، بعدها هبط معظم بكوات المماليك من مخابئهم في الجبال الشرقية في مايو 1812م، و معهم نساؤهم و متاعهم و معهم ستمائة من العبيد البيض و السود مسلحين بالبنادق النارية، فنهبوا القرى التي مرو بها في طريقهم كقرى الدر، و وادي حلفا، و السكوت، و المحس، ثم أرقو، و هي من أهم الأملاك الداخلة ضمن أملاك ملك دنقلا، هذه هي البقية البائسة من المماليك التي تبقت مما يزيد عن أربعة آلاف رجل، بعد أن بدأ محمد علي في مطاردتهم توسيعا و توطيدا لأملاك الدولة العثمانية.


نرى هنا كيف أن تفرق المملكة النوبية، في عهدها الأخير، و اعتماد أهلها على الأسلحة التقليدية القديمة و عدم معرفتهم وامتلاكهم للأسلحة النارية، جعل أرضهم وممتلكاتهم مغانم سهلة للغزاة و النهابين، سواء أكانوا من المماليك أو من أتباعهم، أو حتى الجند الترك، و زدادت أمورهم سوءًا إلى أن هلك ثلث السكان، و هاجر ثلث آخر، و لم يبق منهم إلا الثلث، كانت هذه من أسوء فترات التاريخ التي تمر على بلاد النوبة، بعد أن كانت قوتها ترعب الشرق والغرب، إلا أن سنن الكون من تبديل مراكز القوى بين البشر لا بد أن تكون، و علينا التعلم من هذه العبر، و استخلاص الدروس التي دفع ثمنها مئات الملايين من الأبرياء، قتلاً، ونهبًا، وتهجيراً، و حسرةً، امتد ذلك الهوان إلى ما بعد عهد الترك و وصول الاستعمار البريطاني، و الذي قسم بلاد النوبة التي كانت مركزا فيما قبل، إلى قسمين بين مصر والسودان.

Digiprove sealCopyright secured by Digiprove © 2021 Ashraf Eltom

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا