الرئيسية تاريخ وسياحةتاريخ السودان مع بوركهارت في بلاد النوبة ج(6)

مع بوركهارت في بلاد النوبة ج(6)

بواسطة حسن المكاشفي
293 مشاهدات

الآن و من وادي كشتمنة، نكمل مسيرنا إلى جبل حباتي والذي بلغناه بعد مسيرة ثماني ساعات وربع، ثم كوبان بعد ثمان ساعات ونصف، وتقع كوبان تجاه معبد الدكة الجميل الذي يقوم على الضفة الغربية، وبالقرب من كوبان توجد أطلال مدينة قديمة يحيط بها سور من اللبن، شديد الشبه بسور بلدة الكلب الواقعة شمالي ادفو، يبلغ طول السور في ضلعه المستطيل حوالي مائة وخمسين خطوة، وعرضه مائة خطوة، أما سمكه فيزيد على عشرين قدما، أما ارتفاعه فهو يزيد عن الثلاثين في عدة مواضع.


وتشمل المنطقة التي يحيط بها السور، بقايا خرائب مساكن مبنية بالحجر والآجر، كما توجد تيجان لأعمدة صغيرة ملقاة هنا وهناك، وفي ظاهر الركن الجنوبي الشرقي للسور أطلال معبد قديم صغير جدا، بدائي البناء، لم يتبقى فوق أساسه سوى قليل من الأحجار، وعليه رسوم هيروغليفية، وعلى أحد أحجار المعبد يوجد رسم لعجلة حربية منقوشة، مما يدل على أن قصة لمعركة حربية دارت في هذه الأنحاء قد كتبت عليه، ويبدو أن هذا السور الملاصق للنهر قد بني ليكون حصنا، كما توجد تلال كثيرة من الأنقاض كبيرة الحجم، تمتد مسافة خمس دقائق بعد الحصن، تعود جميعها إلى المدينة القديمة بلا شك.


للأسف جميع هذه المناطق والآثار التي لا تكاد تخلو منها مدينة أو قرية نوبية مررنا بها على مسيرة مئات الكيلومترات على شريط النيل، اختفت جميعها اليوم تحت مياه السد العالي، والذي كان من ضمن الأهداف التي بني من أجلها طمس وتغييب معالم هذه الحضارة النوبية القديمة إلى الأبد، حتى قبل أن يسبر غورها وقبل أن تنال حظها من البحث والدراسة، كما وتم تهجير جميع سكان هذه المناطق من النوبيين الذين عاشوا فيها وعمروها لآلاف السنين، إلى مناطق أخرى لم تغمرها مياه السد، بل حتى المعابد النوبية التي تم إنقاذها من قبل الحملة العالمية لإنقاذ آثار النوبة كمعبد دابود ومعبد دندور، قام عبد الناصر بترحيلها و إهدائها إلى دول أخرى كإسبانيا والولايات المتحدة، بعيدة لآلاف الكيلومترات عن موطنها، وعن أهلها، سعيا لطمس حقيقة أنهم منها وهي منهم.

كان السد العالي أكبر خطيئة بشرية مقصودة في العصر الحديث، استهدفت شعبا قديما، وحضارة عريقة كتب عنها قدماء الرحالة الإغريق ونهلوا منها علومهم، كانت جريمة شنعاء بحق التاريخ، وبحق الإنسانية جمعاء، جريمة شعواء بحق البقعة التي بدأت تتشكل منها أسس العلم الحديث، والتحضر المدني والأخلاقي، ولكن لا يغفر التاريخ مثل هذه الأفعال الدالة على النقص والحسد، ولن تنسى البشرية ما حاق بالحضارة الأم من ظلم وبعثرة وطمس وإغراق، ومازالت الحقائق تتكشف يوما بعد يوم أن أصل الحضارة كان هنا، بدءا من الكتابة الهيروغليفية، ومسميات الملوك، ومسميات دواوين الملك ودرجات السياسة، ومازال العلم ينصف ويحترم، وما زالت لعنات المظلومين تحيق بظالمها في برزخ جحيمه.

Digiprove sealCopyright secured by Digiprove © 2021 Ashraf Eltom

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا