الرئيسية الصحةسراج هل الغاية تبرر الوسيلة؟

هل الغاية تبرر الوسيلة؟

2015 views
شارك اصدقائك
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم : محمد عامر عبيدي

أدينا شفيغر طبيبة بولندية يهودية ، نشأت وعملت في مدينة وارسو ببولندا . وفي أواخر صيف 1992 دخل النازيون وارسو وأطبقوا الحصار على الحي اليهودي والمستشفى ، وكانت الظروف سيئة جدا طوال فترة الحصار فكان الأطفال يموتون بالسل وسوء التغذية وغيرها من الأمراض ، وصفت الطبيبة هذه اللحظات في مذكراتها بأن الأطفال كانوا ﻫﻴﺎﻛﻞ ﻋﻈﻤﻴﺔ ﺗﺘﻀﻮﺭ ﺟﻮﻋًﺎ ‏، ﺗﻠﻌﻖ ﺣﻮﺍﻑ ﺃﻭﻋﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﺎﺀ ﺍﻟﻤﺴﻜﻮﺏ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺽ ، ﻭﺗﺘﺤﺪﺙ ﻛﺬﻟﻚ ﻋﻦ ﻣﺤﺎﻭﻻﺕ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﺎﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﺍﻟﻤُﻄﻠﻘَﺔ . وبعدها بدأ الألمان في شحن المرضى وإرسالهم إلى معسكرات الموت . وجميع القاطنين يعرفون ما هو آخر معسكرات الموت والطريق إليها التعذيب المستمر ، فتوسلت إحدى الممرضات للطبيبة لكي تنهي حياة أمها المريضة حتى لا ينتهي المطاف بها بمعسكرات الموت النازية وأنها لا تستطيع إنهاء حياتها فهي أمها ، فأخذت الطبيبة عهدا على نفسها بأن تنهي حياة جميع المرضى في المستشفى فبدأت بإعطائهم المورفين بجرعات زائدة حتى خلدوا جميعا للنوم في وقت واحد وفضلت بنظرتها قتلها الرحيم للمرضى على القتل والتعذيب الوحشي للنازيين .

هل كان خيار الطبيبة صحيحا بقتلها للمرضى؟ وهل يجعلها هذا الأمر قاتلة ويجب محاسبتها؟

للإجابة على هذا السؤال دعني أحدثك يا عزيزي القارئ عن معضلة العربة التي تعتبر من أشهر المعضلات الأخلاقية .

أولا ما هي المعضلة الأخلاقية ؟ :-

ﺍﻟﻤﻌﻀﻠﺔ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﺑﻴﻦ ﺃﻣﺮﻳﻦ ﺃﺧﻼﻗﻴﻴﻦ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﺍﻧﺘﻬﺎﻙ ﺍﻵﺧﺮ .‏ ﻭﻳﺤﺘﻤﻞ ﺭﻓﻊ ﺍﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ﺣﻠﻮﻝ ﻣﻨﻬﺎ ﻧﻔﻲ ﺍﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ﺃﺻﻼ ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻷﻗﻞ ﺿﺮﺭﺍ ‏ﻭﺇﻳﺠﺎﺩ ﺣﻠﻮﻝ ﺑﺪﻳﻠﺔ ﻭﺇﻋﻤﺎﻝ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺃﺧﻼﻗﻴﺎﺕ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ .

تعتبر معضلة العربة من أشهر المعضلات في علم الأخلاق وتنص على :

هناك قطار يسير ﺑﺎﺗﺠﺎﻩ ﺧﻤﺴﺔ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﻣﻘﻴّﺪﻳﻦ ‏( ﺃﻭ ﻋﺎﺟﺰﻳﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ‏) على طول السكة الحديدية . ﺃﻧﺖ ﺗﻘﻒ ﺑﺎﻟﻘﺮﺏ ﻣﻦ عتلة التحكم ﺍﻟﺘﻲ تقوم بتحويل ﺍﻟﺴﻜﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺪﺓ. ﺇﺫﺍ ﺳﺤﺒﺖ عتلة التحكم ، ﺳﺘﺘﺎﺑﻊ ﺍﻟﻌﺮﺑﺔ ﺳﻴﺮﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺎﺭ ﺍﻟﺜﺎﻧﻮﻱ ﺍﻵﺧﺮ وستنقذ الأشخاص الخمسة القابعين في مسار القطار الرئيسي . ﻟﻜﻦ ﻳﻮﺟﺪ ﺷﺨﺺ ﻭﺍﺣﺪ مربوط كذلك ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﺎﺭ ﺍﻟﺜﺎﻧﻮﻱ . أمامك الآن خياران:

أ- ﺍﻟﺨﻴﺎﺭ ﺍﻷﻭﻝ ﻫﻮ ألا تسحب العتلة وتسمح للقطار بقتل الأشخاص الخمسة القابعين في المسار الرئيسي .

ب- ﺍﻟﺨﻴﺎﺭ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻫﻮ أن تسحب العتلة وتحول القطار إلى مساره الثانوي وبالتالي ستقتل شخصا واحدا . ما هو الخيار الأكثر أخلاقية؟

بالتالي سيجيب معظم الناس بتحويل مسار القطار وإنقاذ خمسة أرواح مقابل قتل شخص واحد .

لكن إذا غيرنا المعطيات بأنك الآن جراح متمرس ولديك خمسة أشخاص على وشك الموت إذا لم يتم زراعة أعضاء متفرقة لهم ” قلب ، كلية ، كبد ، رئتين ، كلية ” ، وفي نفس الوقت قدم شاب صحيح الجسد مكتمل الأعضاء إلى المستشفى للقيام بفحص دوري . أمامك الآن خياران أن تسمح بموت الأشخاص الخمسة وبالتالي جعل جميع أطفالهم يتامى ، أو قتل الشاب الواحد مقابل إنقاذ الأشخاص الخمسة؟

طرحت هذه المعضلات للإجابة على السؤال الفلسفي الكبير ” هل الغاية تبرر الوسيلة؟ ” 

ومقالنا اليوم لا يريد تقديم إجابات لهذه المعضلات الأخلاقية بقدر ما نود به لفت النظر إلى أن القرارات المصيرية التي نقوم بها في حياتنا ليست بالأمر الهين أبدا فأحيانا نضحي بشئ يصعب التضحية به مقابل الحفاظ على شئ آخر مهم بالنسبة لنا .

ختاما شفى الله كل مريض وأعان كل مبتلى

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. أقبل أقرا المزيد...