الرئيسية الاعمدة إننا نغرق
شارك اصدقائك
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
كل عبارات العزاء و المواساة لن تُغنيك أن تقف على بعد خطوات من مفارقة ذاك العزيز عليك، قد يقبل عقلك ذلك ولكن من يقنع قلبك بأن هذه العبارات ذات جدوى، ماذا تساوي حفنة كلمات مقابل عناق طويل قبيل الوداع أو في كل تلاقي جديد.
في غامر السنوات و بعد أن عُدنا من وداع أحدهم، ونحن نُحتحت خيبتنا من علي حواف قلوبنا المخدوعة بأبدية اللقاء و البقاء، قال صديقي بعد أن قلَّب نظره في الفضاء ساهماً هنا و هناك :
” ما هي إلا أيام .. و سيعود كل هؤلاء إلى مشاغلهم و حياتهم و ينسونه..  كأن شيئاً لم يكن.. “.
قالها مستغرباً من أولئك الذين فجعهم الرحيل و فاجأهم في ذلك الفقيد، الذين لم تترك لهم الصدمة مساحة أن يتسلل الإيمان إلى قلوبهم فيلُهمهم الصبر؛ قالها و كأنه يستغرب كيف لنا أن ننسى و نتخطى كل هؤلاء الذين لا نعتقد أننا نستطيع العيش في غيابهم و لو للحظات..
هذا العام كان قاسياً معنا؛ فقد أخذ الكثير من الأحباب، و الحمد لله على قضائه الذي لا راد له، و لكننا نتصبر و نتماسك و في الآخر تخوننا مقدرتنا على التمثيل فننهار بيننا وبين أنفسنا، نبكي بيننا وبين أنفسنا حتى نَشُك بأنه قد تبقى لدينا من الدموع باقي، و نخرج للحياة أنقياء، ثم نعود و نبكي حتى يغلبنا الزمن و ينسينا جروحنا التي خلفها الزمان…
كل الأعزاء الذين فقدتهم..
كان يَعِّز عليّ أن أذهب لتعزيتهم، كنت أخشى أن تلاقي عيني أعين الذين نحبهم فتغمرنا الدموع بينما نحن نتصنع الثبات، في آخر المرات التي كنت ذاهباً فيها شعرت و كأننا ذاهبين لنلقي آخر ما علِق به منا ذاك العزيز، من أين لنا بذلك اليقين و الجَلَد لنبقى صامدين دون أن ننهار باكين و نفقد وعينا…
بعد الرحيل تصبح هشاً لدرجة أن تبكي لمجرد صورة قديمة تجمعك مع الذين فارقتهم، تنسى أنك أنت ذاك الذي كان يقف صامداً شامخاً، و لكنها الأحزان تتربص بك على زاوية ما لتصطاد إبتسامتك و توقع بك في شباكها…
لا تعيدوا مشاهدة الصور التي جمعتكم بأحبتكم، لا تعيدوا قراءة رسائلهم، و لا تستمعوا لأصواتهم التي سجلتموها ذات إتكاءة ما، لا تفعلوا ذلك، لأنكم لن تجدوا أرضاً تحملكم بعدها، و لا قِبلةً تعرفكم، لن يترك لكم البكاء متسعاً لأخذ ثواني من الشهيق….
هكذا سُنة الحياة، إنها تستمر و لكن الحزن صعب،قاسي و مرير رحيل الأحبة، يشبه أن يُغرس نَصلٌ حاد في منتصف قلبك و يُخرج، ثم يُعاد المشهد في كل مرة بصورة أكثر وحشية، و في كل مرة نتصنع الثبات و الصبر، و ننهار ما أن نخلو بأنفسنا..
يشيع المُشيعون الموتى، و يعودون يقيمون العزاء لهم، وحدنا نُشيعهم أحباباً للقلب، و نجدد لهم بطاقات الإقامة الأبدية و نقيم عزاءً لا يحضره أحد سوى الحزن، نقيم للأحزان في صدورنا الف عزاء و لا مُعزي…
والحمدلله على كل حال…
Digiprove sealCopyright secured by Digiprove © 2020 Ashraf Eltom

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. أقبل أقرا المزيد...