الرئيسية تاريخ وسياحةتاريخ السودان الكوشيون و الكينبالية

الكوشيون و الكينبالية

بواسطة مازن عبد الرحمن
نشر اخر تحديث 161 مشاهدات

الأستاذ(( بيتر شيني )) أستاذ جامعة الخرطوم سابقا قام بمحاولة علمية أن يتوجه إلي مدينة (مروي) لعله يهتدي إلي آثار تكشف النقاب عن أسرار الكوشيين، وربما يتكشّف له السر إذا تبصر رديم المنازل الغارقة تحت ذرات الرمال.

إن القصد للأستاذ (شيني) من وراء ذلك أن يعثر على مخطوطات أو نقوش جديدة تمكنه من المقارنة بين الكتابة الكوشية، والكتابة الهيروغليفية المصرية؛ خصوصا وأن النيليين _كما ورد في إحدى النظريات الأنثربولوجية _ هم من الحاميين أصلا، إذ لهم ملامح قوقازية قريبة الشبة بملامح الأثيوبيين وملامح النوبيين بشمال السودان، غير أن الدارس مهما كانت إمكاناته في المراجع ، وحصيلته من المعرفة والمتابعة؛ لا يستطيع الحسم في قضية مازال العلماء يفحصون في جذورها التائهة تحت تلال الرمال.  فهناك من يزعم أن النيليين لم يستعملوا الكتابة ولا النقش على الحجارة ، كما فعل النوبيون الذين أثبتت الحفريات في منطقة بطن الحجر وجزيرة فينارتي ومرقسا ، وخلافها على أن لهم حضارة تضارع الحضارة الفرعونية . ومع ذلك فإن الشبه بين النوبيين والنيليين لحد كبير خصوصاً في التقاطع والقامة والسمات، ولعل محاولات الدكتور (شيني) الذي وقف حياته كلها للبحث عن أصل هذه الشعوب ولغتها أن يحسم هذه القضية العلمية ، وقد قال هو ذاته رداً على السؤال: أنه لا يستطيع أن يتنبأ بنتيجة رحلته إلى النيل الأعلى، لاسيما وإن الرحلات السابقة قد باءت كلها بالفشل علماً بأن من سبقه من العلماء لم تكن لهم الخبرة الواسعة ذاتها في علوم الأثريات الكوشية . وقد نشر الدكتور شيني كتاباً بعنوان (مروي حضارة السودان) وله مؤلفات عن النوبة في العصور الوسطي وعن دير الغزالي في شمال السودان. ولو أن مساعي الدكتور الأخيرة كتب لها النجاح لكان لمكتشفاته شأن علمي جليل، و نجاحة سيكون بمثابة العثور على الحلقة المفقودة في تاريخ حضارة أفريقيا عامة والسودان خاصة. ومن يدري فلعل الشعوب الكوشية الحامية القديمة قد خلفت لأحفادها رسالة تشهد بمستوي حضارة النيليين وأصولهم الحقيقية الغابرة، وبذلك تنجلي الحقيقة وينتفي الخلط في اجتهادات المغرضين الغربيين الذين كثيراً ما نقرأ لهم نظريات لها خلفيات مجرمة وغير آمنة، مثال على ذلك تلك النظرية الأنثربولوجية التي عرضها أحد علماء الأجناس ممن ينعتونهم بالثقة وهو ألماني حيث قال: إن قبائل الماساي والشاجا في كينيا تنتمي إلى النيليين السودانيين أصلاً، بمعنى أن هذه القبائل من أصل نيلي _وهذا لابأس به خصوصاً إذا كان القارئ متتبعاً لخصائص هذه القبائل وعاداتها _ أما الشيء الغير طبيعي وليس بمعقول هو أن ينسب هذا العالِم هذه القبائل إلي الصهيونية، وبضربة واحدة يقول :أن النيليين يعتبرون أجدادا لليهود هم والفلاشا سيان! والفلاشا هم يهود الأحباش.

الحضارة النوبية تنفي (الكانيبالية)

لا حضارة مع السحر (الكانيبالية) التي هي أكل لحوم البشر والعكس أيضا صحيح ، فلو نجحت مساعي الدكتور شيني في هذه المحاولات العلمية الجاددة التي يقوم بها فلا شك أن ظنونًا كثيرة وخطيرة سوف تتبخر، وبالتالي لا شك في أنه ينبغي للوطنيين الأفريقيين جميعاً أن يحفظوا جميل العرفان لما بذله هذا العالم الجليل المتجرد، من جهود مشكورة ومحمودة في سبيل علوم الآثار في جنوب بلادنا المتخمة بالضباب والغموض. أقول هذا ونحن نعلم بأن القبائل النيلية تشجب (الكانيبالية) وتنفيها نفياً جازماً ، ماعدا قبائل النيام نيام مع الحدود في أوغندا، غير أن ما يمكن أن نؤكده هو أنه قد كانت هذه الظاهرة _ واقعياً _ موجودة كحقيقة ثابتة بالذات في أوغندا والكنغو؛ حتى الحكام البريطانيين _ أيام ملكهم وعزهم وأمجادهم _ كانوا في بعض أسفارهم عبر الأدغال وفي الرحلات الطويلة يستبدلون الحمالين بغيرهم كل ثلاثين ميلاً ، حتى يتمكن هؤلاء الحمالون من العودة سالمين إلى بيوتهم ، ولكي يتحاشوا بذلك المناطق الحدودية مع أوغندا حيث آكلي لحوم البشر.

ما أسباب الكانيبالية؟

إن الكانيبالية تتلخص بصورة عامة ، ومن وجهة النظر الأنثروبولوجية العلمية إلى بعض التقاليد الخرافية، ففي الإعتقاد السائد بين القبائل الافريقية التي تمارسها أن الرجل إذا قتل عدوه والتهم قلبه ، وأعضاء أخرى معينة من جسمه ، فإن ذلك يكسبه القوة والمهابة، وأن روح المقتول تتقمص جسده، وبعض القبائل ترى أن قتل الإنسان أو اختطاف الطفل الصغير _أسهل بكثير من مطاردة الغزال ، هذا إن لم يكن قتل الحيوانات البرية في بعض الديانات الأفريقة محظور للغاية، بيد أنه من المعروف جيداً أن في بعض الأحيان أن في بعض مناطق أوغندا وكينيا والكنغو خصوصًا المتاخمة للسودان توجد لأفرادها أسنان مبرودة حادة، أهم هذه القبائل هي (نيام نيام) ، وحكاية حدة الأسنان وتثقيبها لدى هذه القبائل تعود إلى أسباب يدخل بعضها في نطاق التخمين والإجتهاد ، فالأسنان مثلا لا تبرد بالمبارد وإنما تقصف بالإزميل!!! وللنيليين أساطير رائعة امتزجت بالخيال الديني وقد لا تقل في روعتها وغناها عن الأساطير البابلية والاغريقية و النوبية ، فلديهم أسطورة في وزن (عشتار) تدعي ( بنشزكوا )، وأسطورة في مستوى (تموز) تدعى (سيجانجو ) وأسطورة في مستوى ( قميص نيسوس). خلاصة المقال هناك تشابه حضاري بين أبناء النيليين والكوشيين خصوصاً بعد نفي (الكانيبالية) عن النيليين الأماجد ونفض الغبار عن قصصهم وتراثهم في السحر والكجور، ونحن نشير إليها هنا مجرد إشارة ، إنما لكي نلفت انتباه القراء وحسب إلى أن هذه الإشارة لا تعدو أن تكون كنقطة لبداية ممتعة ، أو كتوطئة لحلقات مقبلة تذخر بالفريد والممتع.

Digiprove sealCopyright secured by Digiprove © 2020 Ashraf Eltom

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا

4 × 3 =