تعويذة

بواسطة منال جودة
374 مشاهدات
ذات الوجه وذات الإبتسامة المتكلفة قليلا, تأملته في صمت وتعجبت له ينحني ويميل بوجهه ويتمتم بكلمات لم أفهمها, وجهه مألوف لدرجة أنني فتحت فمي عسي أن ينساب إسمه بسهولة ولكن رأسي كان خاويا تماما تماما من أي شيء , حتي أنني تلفت لأري أين أنا فوجدت نفسي محاطة بأزهار وأشجار عن شمالي وصوت موجة حنونة جذبني لألتفت يميني فإذا بالنيل ومياهه تتراقص في مرح وتعاكس الشط بموجات ناعمة
-قهوة تاني يا أستاذة؟
إلتفت إلي صاحب الصوت فإذا به ذات الوجه المألوف, النادل , مازال منحنيا وكلمة (تاني ) جعلتني أنظر إلي طاولتي فاذا بأربع , خمس … لا أدري عدد أكواب القهوة ولكنني ظللت أنظر إلي الطاولة وأعصر زاكرتي‘ أردت استرجاع أحداث اليوم ، أين أنا؟ وفي أي وقت أتيت؟
– إحم…
تنحنح الجرسون في نفاذ صبر ووفي ذات الوقت إنطلقت ضحكة ناعمة موشحة بالكثير من الغنج من طاولة أمامي. الآن فقط نظرت أمامي؛ طاولات علي مد البصر، جميعها مشغولة بثنائات من ذكر وأنثي، هذا الجو الشاعري وهذا المكان الرومانسي كيف إنتهي بي المطاف هنا؟…
– شاي
لا أحب الشاي ولست من أتباعه ولكن لم يكن لدي الرغبة في شرب شيء، وهذا النادل لن يذهب إن لم أطلب شيئا. لربما شغلت هذه الطاولة لفترة طويلة لذلك لا يعاملني بلطف، تبعته وهو يبتعد وحمدا لله أني فعلت ذلك فقد كان مكتوبا علي ظهر القميص الذي يرتديه ” الاسكلا “، وأخيرا
– الاسكلااااا
قلتها وأنا أهز رأسي، إلتفت النادل واخذ يحدق بي بإستغراب ثم تابع طريقه، هل قلتها بصوت عال؟ الان سيحسبني مجنونة “فاطة سطر” كما يقولون، هذا أفضل حتي لا يقف أمامي مرة ثانية وينحنح كأن المكان ملكا لأبيه. أراحتني هذه الجملة الاخيرة، دائما الشتيمة تريحني ولكني لا أجروء علي قولها في وجه أحد، هكذا فقط بيني ونفسي يكفيني. طقطقت الأوراق التي تمد رأسها من ملف أنيق أمامي، واحدة تلو الاخري كأنما تتمطي بعد نوم عميق، تأملتها دون أن أمد يدي إليها، وأخذت أحدق في الملف كالذي ينظر إلي قنبلة موقوتة لا يدري كيف يوقفها ولا يوجد متسع من الوقت ليهرب منها، وهكذا كان هذا الظرف بالنسبة لي.
داخل هذا الظرف عقد عمل براتب لم أحلم به في حياتي، وجواز سفري الذي إستخرجته حديثا رغم بلوغي الثانية والثلاثين من عمري وعليه تاشيرة دولة اخري. أيضا أوراقي التي تمثل مسيرة حياتي بمراحلها الدراسية جميعها حتي الماجستير والدكتوراة، هذا السلك التعليمي الممل، هذا القالب الذي رسم لنا لنتشكل عليه، ألم أكن لاأبدع في شيء آخر غير هذا الخط الأكاديمي السخيف. هل أنا ناقمة علي الدكنوراة لأنها أتاحت لي هذه الفرصة؟ فرصة ربما يبحث عنها الكثيرون ولكني أخافها… أو بمعني أصح أخافها جدا، كيف لا أصحو صباحا علي صوت أمي؟ كيف لا أفض النزاع المفتعل من جانب أبي معها بغرض المداعبة التي تأخذها مأخذ الجد دائما، كيف لا أسلم علي العشرات في طريقي صباحا وعند عودتي مساءا باسمائهم وأعرف أخبارهم؟ كيف لا أجد سرب من الأطفال ينتظر عودتي في إنتظار قطعة حلوي أو كيس قصب السكر… كيف إبتعد عن إخوتي الذين إحبهم مثل روحي… كيف اترك هذه الحياة البسيطة المليئة بالحب واذهب بعيدا واعيش مثل الرجل الآلي بلا مشاعر…
انا سعيدة بحياتي البسيطة … لا أطلب كثيرا من هذه الحياة، ولكن لأجل الذين أحبهم سأبتعد عنهم، ما أصعبها معادلة….. نظرات الفرح في أعينهم أثلجت صدري وفي داخلي أحزنتني، اعلم أنهم فرحون لأجلي ولأجلهم ، ولكني لا أحب الغربة… لا أريد أن أبتعد عنهم…. صمت أمي يخنقني، ما قاله ابي يرن في رأسي دائما ” لقد كبرت بما فيه الكفاية لتعرفي أين مصلحتك وأنا أوافق علي أي قرار تتخذينه” لم أكبر يا أبي صدقني، لن أكبر يوما عن حوجتي إلي حضنك وحنان أمي…
الآن أنا أمثل طوق نجاة لهذه الأسرة التي طحنها وضع إقتصادي عقيم، أنا حمامة مكسورة الجناح ومربوط بقدمها رسالة يجب أن توصلها ولو زحفا بدلا عن الطيران، رسالة تمثل الحياة لمن يهمها حياتهم. مسحت دمعتين سالتا متسابقتين أيهما تغادر وجهي أولا ونهضت لأغادر أنا… ساغادر أعلم، ولكن هل سأعود؟؟ الذين يذهبون إلي هناك نادرا ما يعودون، هل تلقي عليك تلك البلاد تعويذة أم أن الإنسان يتغير مع الزمن والبيئة؟ يتغير داخله وخارجه وحتي العامل الوراثي …
سأسافر محصنة نفسي بحب أهلي وبلدي، ألا يكفيني هذا أم أن السحر سيكون أقوي وسأكون رقما من ضحايا التعويذة.
منال جودة

ربما يعجبك أيضا

2 تعليقان

Avatar
Manal 2020-09-20 - 8:34 صباحًا

شكرا سلمتي♥️ واثلجتي صدري🌹

Reply
Avatar
fadwa 2020-09-19 - 10:54 مساءً

رائعة يا أنيقة الحرف والمضمون

Reply

اترك تعليقا

عشرين + 11 =