جرائم عبر القرون ج (5)

بواسطة مأوى عبدالعزيز
582 مشاهدات

دموية الاستعمار (2)
كلٌ جاء بسياساته ، فمن وحشية وهمجية الحكم التركي الذي لم يلبث بعد سقوطه عقوداً.. حتى اشتعلت نيران الاستعمار مرة أخرى، فقسوة بريطانيا غنية عن التعريف ، ففرقت لتسد.. وأعادت تشكيل المنظومة الثقافية في البلاد ورسمت جميع الملامح التي تمهد لانفصال جنوب السودان؛ وعملت على بذر ثمار لإنتاج الفتن فيما بعد وحتى طريقة دخولهم وغزوهم للبلاد كانت مصحوبة بوحشية ودموية بالغة علاوة على نهب الموارد وغيرها

.
نهاية المهدية وبداية الدموية:
بانتهاء سيطرة الحكم التركي في السودان وقتل غردون ذلك الضابط الانجليزي والجنرال الذي لم يعرف في حياته سوى الانتصارات المتتالية، قامت الدولة المهدية.. لكنها لم تستطيع الاستمرار لفترة طويلة خصوصا أن البلاد شهدت الكثير من المشاكل والحروب المتتالية في عهد الخليفة عبدالله التعايشي الذي خلف المهدي بعد وفاته، بعد ذلك دخل السودان في الحقبة الاستعمارية الثانية ببعثة عسكرية بريطانيا مصرية مشتركة لاحتلال السودان، وكان قائد الحملة اللورد هربرت كتشنر.. سنستوقف هنا قليلاً في بعض الجرائم التي صاحبت مجئ الغزاة ومع بداية وطأة أقدامهم قبل أن يبسطوا نفوذهم بتلك الطريقة المريعة والفظيعة وكما قيل لعل بريطانيا و شعورها القومي تحتم عليها أن تأخذ بالثأر وأن تنتقم لكبريائها بسب مقتل أكفأ جنرالتها( غوردون) في السودان ويتجلى لنا ذلك جيداً في معركة كرري التي استخدمت فيها أسلحة فتاكة جدا وأيضا في استباحة دماء مدينة أم درمان لثلاثة أيام وغيرها من الجرائم التي طالت أماكن عديدة في البلاد والتي سنتطرق إليها بالتفصيل لاحقاً.

مقتل الجنرال غردون على أيدي المهدية

استخدام المكسيم الأسلحة الأشد فتكا :
كانت خطة الغزو تتمحور حول حشد القوات ثم التقدم والهجوم ثم التمركز مجددا، ومد خطوط الإمداد وأخيرا حشد القوات ثم التقدم ثانيا.. تلاحظ هنا عزيزي القاريء إلى مدى التكتيك الحربي للغزاة حيث تمسكوا ببناء خط السكة حديد بالرغم من أنه كلفهم مجهودات  وأموال طائلة، ففي المرحلة الأولى كان طولة يبلغ ٢٢٥ ميلا من وادي حلفا إلى أبو حمد ، فيما بعد تم وصف السكة الحديدية تحت بند الأسلحة الأكثر فتكا التي استخدمت ضد الدولة المهدية حيث ساعد كثيرا على تقليص الرحلة من وادي حلفا وأبو حمد من ١٨ يوم من الجمال والباخرة إلى ٢٤ ساعة بالقطار والأمر الذي بدوره سهل عملية إيصال الرسائل بشكل سريع. ومع امتداد خط السكة حديد من الشمال إلى الجنوب تم حمل أسلحة مددجة كثيرة جدا من أجل الاستعداد لمواجهة المهدية.

قائد الحملة اللورد هربرت كتشنر

بعد ذلك بدأت تتوالى الحملات والمعارك العسكرية تتمثل في احتلال عكاشة ودنقلا، ونجد أشهرها معركة فركة وحفير في الشمال ففي معركة فركة بالتحديد نجدها بدأت في صباح السابع من يونيو ١٨٩٦ م حيث قاوم فيها الثوار بشجاعة وبسالة، ولكن رغم ذلك انقضى الأمر لصالح الغزاة.
كرري.. معركة أم محرقة؟
نستطيع القول بأن كرري كانت ملحمة بطولية في تاريخ السودان ومجزرة من قبل البريطانيين وعلى لسان تشرشل (الصحفي البريطاني) حين قال :

لم نهزمهم ولكن قتلناهم بالسلاح

وفي الحديث عن معركة كرري وعن نوعية الأسلحة التي استخدمت فيها نجد أن بريطانيا استخدمت مدافع الرشاش أو المكسيم وهي من الأسلحة المحرمة دولياً في ذلك الوقت حيث اخترعها السير وليم ماكسيم عام ١٨٨٤ وقد استخدم في الحرب العالمية الأولى واستخدمته بريطانيا في معظم مستعمراتها. والجدير بالذكر أن معركة كرري لم تكن معركة عادية بل كانت نهاية لعهد وبداية لعهد آخر.. حيث وصل كتشنر وجيشه إلى موقع جبل كرري وكان الخليفة بجيوشه آنذاك في تلك المنطقة ينتظر قدوم أعدائه، فمن جانب الخليفة فقد عمل على تحصين أمدرمان ببناء الطوابي على ضفتي النيل وتجمع الأنصار في أمدرمان ليبلغ عددهم ٦٠ ألف مقاتل، وفي يوم الجمعة ٢ سبتمبر ١٨٩٨  التقى الجيشان في معركة حامية تدافع فيها الثوار وقاوموا بشكل مستميت ولكن تمت إبداتهم حين تلقوا رصاص المدافع الرشاشة حتى سقط منهم عشرة آلاف قتيل من بينهم الأمير يعقوب أخو الخليفة وبعض كبار رجال دولته، وأما الخليفة فقد جمع أهله وانسحب إلى غرب السودان.

أعمال بربرية في عاصمة المهدية :
في الأثناء التي كان يحارب فيها الخليفة في كرري كانت هنالك بواخر إنجليزية بدأت تضرب مدينة أم درمان بالقنابل منذ الفجر فدكت المنازل وعم الرعب في نفوس الأطفال والنساء وجُرحت الكثيرات، وعند عصر ذلك اليوم دخل كتشنر بجيشه أم درمان، حيث أمر باستباحة المدينة ثلاثة أيام في أيام مشؤومة في تاريخ السودان يسودها السلب والنهب والقتل. وأما في يوم ١٨ سبتمبر كما ذكر بعض المؤرخين أن كتشنر أمر بإلقاء رفاة المهدي في النيل بعد هدم قبته ؛ والتي تعتبر أكبر مباني المدينة في ذلك الوقت.. وأمر باستخراج الجثة وقطع رأسها ثم إرسالها للمتحف البريطاني بلندن كعرض طبي، وفي النهاية الأمر تم دفن الرأس.

مدفع المكسيم

مكث البريطانيون في البلاد نحو ستة عقود.. وكما شهدنا في هذا الجزء كيف جاءوا واستولوا بطريقة دموية على السودان وعلى كل حال تخللت هذه الفترة العديد من الأحداث والجرائم التي لم تنسى ولن يمحيها التاريخ.. يتبع.

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا