الرئيسية السينما مراجعة فيلم There is No Evil

مراجعة فيلم There is No Evil

بواسطة مياده أزهري
152 views
شارك اصدقائك
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شيطان وجود ندارد  2020

فيلم للمخرج الأيراني محمد رسولاف

حيثما كان الأستبداد  وجد القمع،، فهي متلازمة في كل الانظمة الديكتاتورية التي تفرض سطوتها على شعبها المغلوب على أمره في ظل هيمنة القوة وسياسة تكميم الأفواه. 

وفي ظل هذه السياسة السائدة يعرض رسولاف واحدة من أكثر القضايا جدلاً في في المجتمع الانساني عامة والمجتمع الايراني بصورة خاصة وهي عقوبة الأعدام وأثرها على الفرد والمجتمع في دولة  تصنف انها الاولى من حيث معدل تنفيذ عقوبة الإعدام. ولكن رسولاف يناقشها من زاوية مختلفة وهي منفذي العقوبة او الأشخاص الموكل بهم تنفيذ الحكم الصادر من السلطات العليا، عبر اربع حكايات ثرية بالجوانب الأنسانية. 

الحكاية الأولى:

تبدأ الحكاية الأولى بسرد أحداث يوم عادي في حياة اسرة من الطبقة المتوسطة، نتعرف فيها على الموظف الحكومي “حشمت”، وهو رجل يتسم بالهدوء والتسامح، رب اسرة محب وعطوف ، وابن بار يحرص على الاعتناء بوالدته. نرى كل تلك التفاصيل الصغيرة في أحداث اليوم الذي يسير برتم بطئ بل وممل احيانا مما يجعلنا نتساءل عن سبب عرض حياة اسرة عادية في فيلم بهذا العنوان!… لتتضح لنا الرؤيا عندما تصل الحكاية الى نهايتها عندما نكتشف طبيعة عمل “حشمت”!  فيصيبنا ذهول يجعلنا نتساءل كيف لشخص يقوم بهذا العمل ان يكون بتلك الطمأنينة والهدوء!! … وقبل ان نفيق من صدمتنا والتي تمثل العنوان الانسب لهذه الحكاية ينقلنا رسولاف الى حكاية جديدة ومختلفة.

الحكاية الثانية:

 بحوارات صريحة ومباشرة تبدأ خطوط الفيلم الرئيسية في التكون من خلال هذه الحكاية والتى تحمل عنوان “قالت: يمكنك ان تفعلها” والتي يعمد فيها رسولاف إلى طرح فكرته بشكل مباشر بعيدا عن الاسقاطات التي ميزت الحكاية الأولى، ولكي تكون ملماً بمضمون هذه الحكاية عزيزي القارئ، عليك أن تعلم انه وبحسب القانون الايراني لكي تستطيع ان تستخرج اي شهادات او اوراق ثبوتية من جواز سفر او رخصة قيادة عليك ان تقضي فترة التجنيد العسكرية والتي قد تكون في أحد السجون وقد تكون ايضاً احدى مهامك هي تنفيذ عقوبة الأعدام على المدانين سواء كانت جريمتهم اخلاقية او سياسية، وهي المعضلة الاخلاقية التي تواجه بطل حكايتنا “بويا”. 

ف”بويا” مجند مكلف بتنفيذ عقوبة الاعدام على أحد المدانيين، وهو الامر الذي يستصعب عليه تقبله، فهو يرفض المشاركة في قتل شخص سواءً كان بريئاً ام مذنباً. 

يدور حوار بين “بويا” وزملائه في السجن يحمل هجوما لاذعاََ على سياسات الدولة الإيرانية، ويظهر اختلاف طبائع البشر في التعامل مع تلك المعضلة الأخلاقية، فنجد من زملائه من يتعاطف معه ولكنه يقف مكتوف اليدين عاجز عن مساعدته، وعلى الجانب الأخر هناك من يرى ان الامر لايستحق كل تلك الضجة، فهو علية فقط إطاعة الأوامر لان الأعتراض وببساطة رفاهية غير متاحة للمواطن الايراني.

ومابين الرضوخ للأمر الواقع ومخالفة ضميره أو التمرد وملاقاة مصير مجهول يقف “بويا” حائراً وعاجزاً عن اتخاذ قرار، في متاهة تجعلنا نعيش معه نفس الحيرة متمنين خلاصه من هذا الكابوس، فهل تتحقق المعجزة؟   

الحكاية الثالثة:

بعيداً عن ضجيج المدن وكأبة السجون تدور أحداث هذه الحكاية في احد مناطق الريف الأيراني حيث الطبيعة الخلابة ترمي بظلالها على أحداث حكاية رومانسية بين المجند “جواد” وخطيبته “نانا”، ف”جواد” وبعكس “بويا” قد حسم الجدال بداخله وقرر إطاعة الأوامر حتى يتسنى له أخذ إجازة لمفاجأة خطيبته في عيد ميلادها، فهل ستستمر الحكاية بنفس الوتيرة، أم أن تلك اللحظات الحالمة تخفي خلفها حزناََ أشد وطأة.

وبخلاف الحكاية الأولى والثانية، فأن رسولاف يعرض لنا المعضلة الأخلاقية لعقوبة الإعدام من زاويه مختلفه كلياََ، وهي تأثيرها  على أهل الضحية، الأمر الذي يقود بطل حكايتنا الي مواجهة مباشرة مع خياراته وعواقب أفعاله.  

الحكاية الرابعة:

في حفظ الله وداعاً

فأنا متجه الى مصيري

ربيعنا قد مضى

وماضينا قد مضى

وانا مازلت ابحث عن مصير”….

الابيات تمثل المقطع الأول من اغنية ثورية أيرانية مشهورة، اتخذت الحكاية الرابعة من أسمها عنواناً لها.

فذلك المقطع وباختصار يمثل بطل حكايتنا الأخيرة، فهو شخص بلا ماضي ولا مستقبل يتجه بخطى مثقلة نحو مصيره المحتوم. يعيش على هامش الحياة في قرية نائية لايستطيع فيها الحصول على ابسط حقوقه، يحمل أسماََ مستعار ويعمل بدون أوراق ثبوتية مما يجعلنا نتساءل عن كنه ذلك الشخص الذي يعيش تلك الحياة البائسة!…  ومع قدوم الفتاة المراهقة “داريا ” لقضاء إجازة قصيرة مع “بهرام ” وزوجته، ينجلى ذلك الغموض كاشفاََ عن سر دفين في ماضي”بهرام ” يتعلق بعلاقته ب”داريا “، وبملاحظة بسيطة نستطيع الربط بين “بهرام ” وبين القضية التي يطرحها الفيلم. 

ينهي رسولاف حكايته الاخيرة بنهاية مفتوحة ومؤثرة فاتحاً باباً جديداً من التساؤلات في عقل المشاهد عن ماهية تلك الحرية المزعومة والتي في سبيلها اختار”بهرام” ان يقدم الكثير من التضحيات،  فهل ماوجده كان يستحق كل تلك التضحيات؟ 

اضافت البيئة الايرانية بعداً اخر للفيلم ومثلت عنصراً مهماً في سرد القصص، فكانت الطبيعة الساحرة مكملةً لجمال الحكاية الرومانسية في الفصل الثالث، ومنها الى البيئة الصحراوية القاحلة والتي بلا شك تتلاءم مع أسلوب حياة أبطال الحكاية الأخيرة… وعلى النقيض نرى غياب الموسيقى الا من بعض اللحظات القليلة كتلك التي عزفت فيها موسيقى الاغنية الثورية الأيطالية “بيلا تشاو” لتبعث فينا بصيص من الأمل قبل أن يعود الحزن ليخييم على باقي فصول الحكاية.

من رحم المعاناة يتولد الأبداع:

حين تكون حرية التعبير وإبداء الرأي المخالف هي جريمة يعاقب عليها القانون، حينها يكون صناعة فيلم يهاجم ذلك القانون هو  بمثابة توقيع صريح على قرار ادانتك، وهو ماقام به رسولاف في هذا الفيلم، فهو ممنوع من السفر ومن صناعة الأفلام ويواجه تهماً تتعلق بالبروباجندا ونشر دعاية سلبية ضد الجمهورية الإسلامية. 

وبرغم كل تلك الأحكام وكل ذلك الحظر المفروض عليه أستطاع فيلم رسولاف أن يرى النور وان يحصد الجوائز العالمية. 

وفي النهاية لا وجود للشر في حكايتنا، فهم مجرد اناس عاديون وقعوا تحت رحمة نظام مستبد لايرحم  …. فالشيطان هنا ليس له وجود مادي وانما هو شر كامن في النفوس البشرية .

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. أقبل أقرا المزيد...