الرئيسية تاريخ وسياحة مع بوركهارت في بلاد النوبة (ج11)

مع بوركهارت في بلاد النوبة (ج11)

129 views
شارك اصدقائك
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

الآن وبعد وصولنا إلى قرية الدر، ولقائنا بحسن كاشف، والمحاورة الشيقة التي دارت بينه وبين بوركهارت، نتوقف قليلا عند ملاحظاته وأوصافه للإنسان والمكان والطبيعة على طول المناطق النوبية التي مررنا بها من أسوان إلى الدر، كما سجلها من وجهة نظره، وكما كتبها هو تحريا للمصداقية:

يتجه النهر في مجراه من أسوان لكرسكو من الشمال إلى الجنوب عموما، ثم ينحرف إلى الغرب، ويحتفظ بهذا الاتجاه الجديد طوال مجراه إلا دنقلا، وضفة النهر الشرقية في هذا الجزء من الوادي أصلح من ضفته الغربية، وتراها أينما كان لها عرض يذكر؛ مكسوة بطبقة خصبة من الغرين الذي يخصبه النيل فوقها، أما في الضفة الغربية فإن الصحراء تجتاح الوادي في غير هوادة، حتى تبتلع جرف النهر نفسه، ولا يتيح السهل الضيق في تلك المناطق قيام الزراعة عموما إلا في الجهات التي تصد الجبال فيها الرياح الرملية العاتية، ولهذا السبب نجد أن الضفة الشرقية أكثر عمرانا من الضفة الغربية من النهر، ولعل قدماء المصريين “النوبيين” كانوا أشد تدينا وتعبدا لآلهتهم الكريمة في البقاع التي يخشون فيها إله الشر الذي يمثل الصحراء “تيفون” -اسمه عند اليونان تيفون، بينما اسمه عند المصريين ست، وست هذا هو أخو أوزوريس وقاتله- وهو العدو اللدود لإله الخير أوزوريس والذي يمثل مياه النيل.

أما بالنسبة لما يزرعه النوبيين في هذه الأنحاء من الوادي الضيق؛ فإنهم ما أن ينتهي الفيضان حتى يزرع النوبيين الفقراء في الوادي الضيق الذرة والدخن (الذي يصنع منه الخبز)، ولكن جل اعتمادهم في الغذاء على محصول الذرة، كما أن سيقان الذرة الجافة في الصيف تصلح علفا لماشيتهم بدلا من التبن، أما برسيم مصر فلا يعرف هنا، ولا حتى في صعيدها جنوبي قنا.

أما بعد انحسار مياه الفيضان، وانتهاء محصول الذرة، تروى التربة بالسواقي التي تديرها الأبقار، فترفع الماء إما من النهر أو من آبار محفورة على الشاطئ، لأن الماء الباطني موفور في أي مكان بعد الفيضان على عمق خمس عشرة قدما أو عشرين فقط، ومثل هذا تجده في الصعيد صيفا، ولكن مياه هذه الآبار كريهم المذاق، ضاربة إلى الملوحة، ولكي تتشرب التربة ماء الزراعة جيدا، فإنهم يقسمون الحقول إلى مربعات صغيرة، مساحة كل منها عشرة أقدام، رفعت حوافها لتحتفظ بالماء الذي تحمله إليها مساق جانبي ضيقة.

ثم تزرع الحقول كذلك بالشعير ونوع من الفول يدعى “كشر نقيق”، وتبغا من أردأ الأنواع، ولوبيا فرنسية، ولم أرى القمح إلا نادرا، وعلى مقربة من الدر حقول أخرى يزرع فيها العدس والحمص والبطيخ، أما على جرف النهر فيزرعون الترمس المر ، وهو معروف في مصر، ويسميه الإيطاليون “اللوبيني”، وينضج القمح والشعير في منتصف مارس، وبعد حصاد الشعير في نهاية ابريل تزرع الأرض أحيانا زراعة ثالثة، وتروى بالسواقي، ويسمى هذا الزرع زرعا صيفيا، ويكتمل نموه في شهر يوليو، ولكنه لا يكون إلا في أخصب البقاع.

Digiprove sealCopyright secured by Digiprove © 2021 Ashraf Eltom

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. أقبل أقرا المزيد...