نقطة

بواسطة منال جودة
27 مشاهدات

 

تراهم مجتمعون تغشي وجوههم الإبتسامة لا تكاد تفارقهم، كل كلمة هي مصدر للضحك وكل حركة مبهجة، لربما إن تثاءبت لانفجر المجلس ضاحكا. غرابة البشر المعتادة تجمعهم وليمة في مناسبة ما فيكونون لطفاء ومرحين وما إن يتفرقوا إلي مثني وثلاث حتي يصير الغائبون وليمتهم. صفة لازمت النساء طويلا حتي تمكنت أخيرا من الرجال فأصبحت متلازمة البشر.
متلازمة كانت سائدة في هذا الجمع النسائي الذي وجدت نفسي في وسطه؛ رغم أن الجالسات يعتبرن نخبة المجتمع، كان مزيناً بأسرار الناس وفضائحهم. كنت أمط شفتيّ وأُطبق عليهما في صمت، وألعق سرا شيئاً ما في خاطري وأبلتلعه في هدوء ثم أتابع ثرثرتهن الصاخبة بأُذن لاهية.
ضللت طريقي أنا إلي هذا الجمع وهذه الحياة برمتها؛ تقاليد وعادات سخيفة، قواعد وأحكام سخيفة لا ادري اي أهبل وضعها، لهث وركض وأيام مكررة باهتة سريعة لا فواصل ولا أقواس فيها كنص وحيد من فقرة واحدة نسخ مرارا.
أما عن هؤلاء النسوة وقطيعتهن، لا أدري لم لا يملك الشخص الشجاعة ليقول تعليقه أمام صاحب الشأن، سأحترم جدا من يقول رأيه فيّ أمامي طازجا من فمه بدلا من أن يمسكه ويطلقه في مكان آخر فيصلني مختمرا نتنا.
سرا بيني ونفسي اتهكم علي هذه الأفواه متعددة الأغراض، ألا يمكن أن يتوقف الأكل أثناء الحديث؟!!… وأتعجب من جرأة بعضهن كيف يكذبن أمامي وأنا أعرف كل شيء، أنا خزانة أسرارهن، اول من يعرف وآخر من يتحدث، لذلك دائما أسمع، أسمع فقط… “جزء صغير من وقتك” عبارة لطيفة ولكن الجزء يمتد إلي أجزاء ويتبعثر يومي في حلقات صاغية هنا وهناك. رأسي مثقل بتفاصيل لا تخصني، وقتي الذي يخصني يضيع في ترهات الحياة المملة، حين تفقد عيناي تناغمهما أعرف أن يوما آخر قد مضي؛ غادر سلة حياتي متسسللا، دهس تحت أقدام الآخرين وغاب إلي الأبد.
أخيرا عندما إنفض المجلس قمت وفي جعبتي ماثقل عليٌ قوله وثقل علي حمله أيضا. وحيدة وقبل أن يسحبني عالم لا أدري كنهه ويدخلني في مغارات أحلام لا أعرف من أين تأتي وكثيرا ما تختلط علي مع الواقع، أنظر إلي متحفي الشخصي، معاركي وإنهزاماتي، آمالي وخيباتي، تفاصيلي وأسراري، و… إنجازاتي، هنا فقط أقف كثيرا، حيث معرض الأيام الناجية؛ أيام خرجت من السلة في وضح النهار، تسلقت الجدار وحفرت لنفسها مكانا فيه مستمدة القوة من أمجادها… عندها اترك المتحف وأعود إلي شخصي، أقلب الجسد الذي أحمله إلي الجانب الذي مازال باردا من الفراش، أسال نفسي كيف إنزلقت من القمة إلي العادية؟!.. أين سقطت الفواصل من النص وتركت النقطة تدفعني إلي سطر آخر؟!! سطر لا يشبهني ولا أعرفه… ولكني أعرف شيئا واحدا فقط الآن؛ حان الوقت لأضع أنا النقطة وأبدأ سطرا جديدا يخصني.

منال جودة

ربما يعجبك أيضا

اترك تعليقا